|   

«البقلاوة»: تكثيف الأولويات

Print A+ a-
الخميس، ٠٦ حزيران ٢٠١٣ (١٩:٤٣ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٠٦ حزيران ٢٠١٣ (٢١:٣٨ - بتوقيت غرينتش) حسام عيتاني

غداة وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل في آب (أغسطس) 2006، توجه صديق إلى أحد أحياء الضاحية الجنوبية لتفقد متجره الذي افتتحه قبل أيام من بدء الحرب في 12 تموز (يوليو). عثر الشاب على محله كومة من الركام مدفونة تحت انقاض مبنى دمره قصف الطيران الإسرائيلي.

بينما هو واقف يتأمل خسارته ويضرب أخماساً في أسداس، تقدم منه شاب يحمل صينية حلوى داعياً صديقي إلى تناول بعض منها احتفالاً بـ «النصر الإلهي». لم يجد الشاب المنكوب ما يقول. كانت مفاجأة كاملة. كيف له أن يحتفل بالنصر فيما الدخان ما زال يتصاعد مما تبقى من جنى عمره؟

واليوم تتدفق نعوش عشرات الشبان إلى قرى الجنوب والبقاع وسط نثر الأرز والورود عليها من الأهل. ويقيم مؤيدو «حزب الله» حواجز في الضاحية وعدد من البلدات لتوزيع البقلاوة وغيرها من الحلويات على المارة للتعبير عن الفرح بانتصار جديد حققه الحزب باستيلائه على بلدة القصيْر السورية.

يدرك الحزب وجمهوره الأثمان الباهظة التي يدفعانها على شكل كلفة لتوسيع «مجاله الحيوي» ضمن الطائفة الشيعية وعلى مستوى لبنان، لكن ذلك لا يمنعهما من الإصرار على المضي في هذه الدرب ومن ابتهاج (يعبر عنه توزيع الحلويات) عند كل منعطف يصورانه كخطوة إلى الأمام في مشروع تحصين المذهب والطائفة ورد تطاول أو اعتداءات أعداء الداخل والخارج.

الاكتفاء بالقول إن «حزب الله» مجرد أداة إيرانية تنفذ سياسات الولي الفقيه، لا يفسر التماسك الشديد لجمهور الحزب وفرحه الصادق باستشهاد العشرات من أبنائه في سورية. ويمكن فهم تورط الحزب في القتال كتنفيذ لأوامر من الخارج الذي درب الحزب وموّله وسلّحه على مدى عقود، أما بقاء الاعتراض على هذا الانغماس في المقتلة السورية محصوراً بأصوات وأسماء قليلة، فيقول إن الأمر أبعد من تلبية الحاجات الإيرانية وأكثر تعقيداً.

وغني عن البيان أن إرجاع الاستنفار الحالي بين أكثرية الشيعة اللبنانيين إلى التاريخ البعيد، غير مفيد. زينب والحسين و»بنو أمية» ليسوا أكثر من رموز وتوريات تستغلها قوى سياسية تضرب مصالحها في أرض الحاضر وليس في الماضي. ولا يقل الحديث عن «المشروع الأميركي- الإسرائيلي- التكفيري» وضرورة سحقه، مراوغة وتزييفاً عن حديث الدفاع عن آل البيت ومقاماتهم والثأر لهم.

مقولات «العقل الجمعي» و»الوعي الزائف» تعجز عن تفسير واقع ملموس ما لم توضع كمقدمة لنشاط جماعة محكمة البنيان حاملة لإيديولوجيا واضحة تعلي أولاً من شأن ذاتها على حساب أفرادها. هكذا يقدم «حزب الله» مصلحة الجماعة التي يقول بتمثيلها و»كرامتها» وبالتالي موقعها في السياسة والاجتماع والاقتصاد، على ما عداه من مهمات. عندها تكتسب شعارات موجهة إلى شخص زعيم الجماعة من نوع «رهن إشارتك» و»لو خضت البحر لخضناه معك»، معناها الحقيقي. ويصبح الخضوع لأوامر القتال في سورية مفهوماً تماماً، مثله مثل القتال ضد إسرائيل أو اقتحام بيروت في أيار (مايو) 2008.

تكثف حواجز توزيع الحلويات هذه الآلية وتقدمها على شكل انتصارات جديدة للجماعة وقائدها واستصغاراً للأثمان التي يتعين دفعها على مذبح سؤدد المذهب والطائفة. بكلمات ثانية، تحدد «البقلاوة» سلم الأولويات السياسي وترسم الاتجاه الذي ستسير إليه الجماعة وقوتها «الطليعية».

عليه، لن تجد عائلات من سقطوا في سورية ما تقول رداً على خطاب مفحم وصارم كخطاب الحزب، تماماً كما عجز ذاك الشاب عن الكلام أمام متجره المدمر.

Tags not available