|   

الكيماوي وتدخّل إيران يوفران مشروعيةً للتدخل الدولي

Print A+ a-
الأربعاء، ٠١ أيار ٢٠١٣ (١٤:٢٥ - بتوقيت غرينتش)
الأربعاء، ٠١ أيار ٢٠١٣ (٢٣:١٠ - بتوقيت غرينتش) عبدالوهاب بدرخان

بعدما أصبح السلاح الكيماوي ساري الاستخدام في سورية، يبدو المجتمع الدولي، وبالأخص الولايات المتحدة، أكثر انشغالاً بالبحث عن صيغ للتعايش مع هذا الواقع وغير مستعدة لمواجهته ومعاقبة مستخدميه، لأنه -بوضوح- سلاح إبادة، ولأن السكوت عنه يعني -بوضوح أيضاً- موافقةً على هذه الإبادة وتغاضياً مكشوفاً عن استخدام سلاح محظور. وقبل ذلك، هل استطاع أحدٌ أن يسجل احتجاجاً قوياً أو سعياً دولياً لمنع قصف مناطق سكنية بصواريخ بالستية مصنفة كـ «أسلحة دمار شامل»، مثل صواريخ «سكود»، وهي محظورة أيضاً؟ طبعاً لا، فالقوى الدولية ابتلعت هذه الصواريخ ثم تعايشت معها كأنها من الوقائع العادية.

ثمة رئيس أميركي لفّق أكاذيب أسلحة الدمار الشامل ليغزو العراق، أما خَلَفه فيحاول تكذيب الحقائق لئلا يضطر لإنقاذ شعب من وحشية نظامه. وحين قال باراك اوباما إن استخدام الكيماوي «خط أحمر» كان يعني أنه يعطي، بالإضافة لاحقاً إلى تدخل إيران و «حزب الله»، مشروعية دولية للتدخل، لكن رسوخه في التردد سيؤدي إلى خسارة هذه المشروعية.

وثمة رئيس روسي وضع جداراً أصمّ في أذنيه وقرر أن يستعيد أمجاد دولته العظمى على جثث السوريين، لمجرد أنه ترعرع على احتقار شعبه ولا يهتم بأي شعوب أو بطموحاتها، ثم لأنه حليف مزمن لحاكم يقلّده في ما ارتكبه في الشيشان، بل تجاوزه. فبالنسبة إلى روسيا والصين، ليس هناك أي شك في أن النظام السوري يخوض بالنيابة عنهما حرباً يريدانها لإثبات أن كسر ارادة الشعوب ممكن، وتثبيت مقولة أن الأنظمة هي الأبقى لأنها الأقوى.

في لقائه مع وفد «الحلفاء اللبنانيين» أخيراً، قال بشار الأسد إن روسيا «تعتبر معركة الدفاع عن دمشق معركة دفاع عن موقع موسكو ومصالحها»، وإن الأميركيين «يمشون في النهاية مع الرابح»، أي معه. لكن بقي عليه الأصعب، فهو يعرف جيداً أنه لم يربح هذه الحرب بعد، ولن يربحها إطلاقاً حتى لو حصرها في دمشق، إلا أنه يحاول، ممعناً في إحاطة العاصمة بأرض محروقة ودمار كبير. وفي الأثناء يضغط الإيرانيون والروس لكي يغيّر النظام المعادلة الميدانية قريباً بل في مهلة أقصاها منتصف حزيران (يونيو) المقبل، موعد لقاء الرئيسين الروسي والأميركي في قمة الدول الـ8 في إرلندا. ورغم أن الأسد غير واثق بما يمكن أن يحققه، حتى مع استخدام السلاح الكيماوي، فهو يجادل بأن نظامه هو من سيؤثر في هذه القمة ويفرض إيقاعه عليها، مستبعداً أن تفرض إيقاعها عليه، فـ «كلا الرئيسين يترقب الوقائع على الأرض في سورية حتى يعرف ماذا سيفعل». ما لم يقله الأسد، وهو يعرفه، أن تسليح المعارضة و «الجيش السوري الحر» عاد يتراجع ويتعثّر بفعل الشكوك الدائمة والمتجددة التي زرعتها «جبهة النصرة» وأخواتها في مواقف الدول الغربية، وحتى العربية، وقد ظهرت نتائج هذا التراجع ميدانياً.

لماذا انكمش الدعم التسليحي بعدما كان قد تعزز لفترة دامت حتى أواسط نيسان (ابريل)؟ قد يكون غباء «النصرة» وانكشاف ارتباطها بـ «القاعدة» وليس بسورية، أحدَ أهم الأسباب، غير أن اجتماع إسطنبول كان أكثر اجتماعات «أصدقاء سورية» ضغوطاً على المعارضة للسير باتجاه «الحل السياسي»، وهو ما رفضته في بيانات أصدرتها في ما بعد، إلا أن هذا الاستحقاق يبقى ماثلاً أمام «الائتلاف» ليبتّه خلال اجتماعاته في إسطنبول أيضاً لانتخاب رئيس جديد والبحث في توسيع تمثيله مكوّنات المجتمع وقوى الثورة. ولهذا أيضاً علاقة بقمة باراك اوباما - فلاديمير بوتين، فمحور حديثهما سيكون «الحل السياسي» انطلاقاً من تقويم أوضاع الأطراف على الأرض. وقد أرسل بوتين مبعوثه ميخائيل بوغدانوف في مهمة دقيقة إلى بيروت لرصد إمكانات استخدام لبنان في «بازار» الأزمة واحتمالات انتقالها خارج حدود سورية.

وإذا كان الرئيس الروسي سيستند فقط إلى ما تحققه معركة دمشق، فإنه والأسد يراهنان على سذاجة يفترضانها لدى أوباما ويتوقعان منه أن يترجم «براغماتيته» بالإقرار بأن النظام لا يزال قوياً وصامداً، وبالتالي فإن الحل لا بد أن يعكس ميزان القوى العسكرية. لكن اوباما وحلفاءه يدركون مسبقاً أن النظام لا يزال يمثل جبهة متماسكة في مقابل معارضة تزداد انقساماً وتشرذماً، وقد تعذّر جمعها في كيان عسكري-سياسي قوي لمقارعة النظام وحلفائه بها. وفيما أظهر الروس والإيرانيون تضامناً مع الأسد غير قابل للاختراق، ارتكب «أصدقاء سورية» الكثير من الأخطاء والأفكار المسبقة خلال «مساعدتهم» المعارضة على تنظيم نفسها وتوحيد صفوفها. لذلك بقيت حقيقة الوضع أكثر تعقيداً من الصورة التي يصرّ السوري والروسي على ترويجها، فنظام الأسد ليس نظام الصين الذي يخنق التيبت ويشتري صمت الغرب بالتجارة، ولا هو نظام روسيا الذي عزل الشيشان فسحق إنسانها وحطّم عمرانها ثم جاء إلى الأميركيين يساومهم ليعترفوا بسيطرته عليها وبالحكم التابع الذي أقامه فيها.

تتأبط روسيا فكرة أن الحرب الوحشية القذرة التي يخوضها النظام لا تزعجها ولا تدفعها إلى تغيير موقفها لاعتبارات أخلاقية، وبالتالي فهي تراقب الوقائع الميدانية وتستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية. أما إذا كانت هذه الحرب تزعج الولايات المتحدة وحلفاءها حقاً، فأمامهم خياران: 1- إما أن يلقوا بثقلهم لتغيير المعادلة العسكرية، وهو ما لا يبدون مندفعين إليه تحديداً، بسبب وجود «القاعدة»، حتى لو كان مضخّماً في الإعلام أكثر مما هو في الواقع، 2- وإما أن يجنحوا إلى إنهاء الأزمة بحل سياسي، وعليهم في هذه الحال أن يتعاملوا مع المعطيات الراهنة، أي الاعتماد على النظام باعتباره الجهة الوحيدة الموجودة والقادرة على «قيادة» حل سياسي.

لا ريب في أن لهذا المنطق صدى كبيراً في مقاربة الأميركيين والأوروبيين والعرب لضرورات إنهاء الأزمة قبل أن تمتد أكثر إلى خارج سورية ولئلا تكتسب المجموعات المتطرفة أرضاً جديدة للانطلاق منها، غير أن نقطة الضعف في المنطق الروسي تكمن تحديداً في عدم توازنه وتجاهله المطلق أن لـ «الحل» شروطاً مسبقة لا بد من تلبيتها، خصوصاً إذا كانت آليته حواراً بين طرفين أو حتى بين أطراف. ولم يكن واضحاً في أي مرحلة ما إذا النظام استأمن موسكو على تنازلات يتعهد تقديمها لخلق أجواء ملائمة لبدء الحوار. ومع اقتراب مرور نحو عام على «اتفاق جنيف» يتبيّن أن موسكو خادعت جميع الأطراف بدعمها استمرار نظام الأسد في الحل العسكري بغية فرض التصوّر الروسي لـ «المرحلة الانتقالية».

لذلك يمكن القول إن الحديث يدور عن حل سياسي لم تتأمّن ظروفه بعد، وقد لا تتوافر أبداً، فحتى لو أقرّت واشنطن بهذا الأمر الواقع وحاولت أن تفرضه على «الائتلاف»، فلا هذا الأخير ولا المعارضة المدجّنة في الداخل يستطيعان السير بحل سياسي يعيد إنتاج النظام وكأنه لم يرتكب جرائم حرب ولا جرائم ضد الإنسانية ولم يشرّد السكان ولم يدمّر المدن ولم يتوغل في نهج الإبادة. ومع افتراض، مجرد افتراض، الرضوخ للضغوط –لنيل ما هو متاح أو أملاً بإجهاض اندفاع النظام إلى تقسيم البلاد–، فإن معارضتي الداخل والخارج لا تضمنان انضواء قوى الثورة في ما تضطرّان إليه. هذه القوى لم تقدّم التضحيات من أجل «بضع وزارات» يرميها إليها النظام لتصبح مشاركة في الحكم.

 

* كاتب وصحافي لبناني

Tags not available