|   

ربما - «قيادة المرأة»... البيضة أم الدجاجة؟

Print A+ a-
الثلاثاء، ٣٠ نيسان ٢٠١٣ (١٧:٤٨ - بتوقيت غرينتش)
الثلاثاء، ٣٠ نيسان ٢٠١٣ (٢١:٥٩ - بتوقيت غرينتش) بدرية البشر

يُروى أن رجلاً شبه أمي سمع للمرة الأولى بكلمة طبعاً فأعجبته فصار يضعها متى تسنى له، فيذهب للبقالة، ويقول للبائع: «أعطني لبناً وعلكاً وطبعاً كبريتاً». لهذا تأتي «طبعاً»، خصوصاً في سياق لا معنى له أو بلا دلالة. هذه النكتة أتذكرها كل مرة أقرأ تصريحات المسؤولين عن موضوع قيادة المرأة السيارة، التي تبدو دائماً ورطة كبيرة، فأجدني أقول بعد كل تصريح: طبعاً طبعاً، ولاسيما حين قرأت تصريح المدير العام للمرور حين سُئل: «ماذا ستفعل لو ضبط جهازك امرأةً تقود سيارة؟ فأجاب: «سأمنحها مخالفة كونها لا تحمل رخصة قيادة»، ثم تدارك الأمر وقال: «أخرجوني من هذا الموضوع الشائك»، وهو -حقاً- شائك، لأنه أشبه بلغز البيضة والدجاجة ومن الأول فيهما؟ فكيف تعطي مخالَفة لمواطن لا يحمل رخصة قيادة، وجهازك لا يسمح له أصلاً بأن يمتلك رخصة قيادة، ولا تفتح له مدرسة تعليم القيادة؟ وماذا لو أن امرأة تحمل رخصة قيادة خليجية أو عربية أو دولية، وهذه وفقاً للاتفاقات الدولية معمول بها في السعودية؟ فعلاً و«طبعاً» هو أمر شائك حقاً.

لكن التصريحات حول هذه المسألة لا تنتهي، لكن «طبعاً» أهمها تلك التي تعد للاستهلاك الخارجي، ولعل آخرها تصريح وزير العدل أن قيادة المرأة السيارة هو قرار اجتماعي، وهذا التصريح ربما تكون له دلالته الحقيقية، من دون «طبعاً» لولا أن أحد القضاة، وهو تابع لوزارة العدل «طبعاً» أصدر قراراً بجلد فتاة، لأنها قادت سيارة في مدينة جدة، على رغم أنها تذرعت بأنها تريد إسعاف أحد أقربائها. إذا كان جهاز المرور يعطي المرأة التي ستقود السيارة مخالفة، والقاضي سيصدر حكماً بجلدها، والشيخ في المسجد يؤكد أن منعها من قيادة السيارة هو من باب سد الذرائع والحفاظ على أخلاقها، فكيف صارت المسألة بربكم قراراً اجتماعياً؟ القرار الاجتماعي هو ما تتوافر فيه كل الظروف لإنجازه، لكن الإنسان يختاره أو لا يختاره، لكن تمكين المواطن أو المواطنة من حقوقهما الإنسانية وتمتعهما بمشاريع التنمية ليسا قرارين اجتماعيين، بمعنى أن التعليم اليوم هو حق لكل مواطن، حتى إن الدولة جعلته إلزامياً، كي تمحو الجهل ولم يعد قراراً اجتماعياً، وتوفير المواصلات للناس وتسهيل التنقل في المدينة وسن القوانين والأنظمة بشأنها هي مشروع تنموي وحق إنساني، وليست خياراً اجتماعياً. الخيار الاجتماعي لا يصطدم بقانون المنع.

لقد زاد النقاش حول هذه القضية حتى تم تسميمها بأهداف ومصالح أيديولوجية، وأصبح الفوز بمنعها كسباً يصب في مصلحة فريق ضد آخر، وحمّلت بما ليس لها وصار منعها هماً وطنياً.

وسمعنا اليوم عن شبان أعلنوا استعادهم للتطوع لمنع الفتيات من قيادة السيارة بالاصطدام بسياراتهن. هذا الشاب الذي يقول هذا الكلام هو نفسه الذي كان يغازلها في السوق ويطلب منها أن تأخذ رقم هاتفه، لكنه حين يجد فتاة خلف مقودها فإنه سيكلف نفسه بحماية الأخلاق والعرف ويصدمها بسيارته «طبعاً». كدت أقول: إن تزييف الوعي بهذه القضية عقّدها، وجعلها مثل قضية فلسطين، لكني وجدت أن تصويرها بالثورة السورية أقرب، فعدم تدخل الدولة بحسم المسألة جعلها «شائكة»، وصار الناس من حولها ينقسمون ويتخاصمون، وأناس في الوسط «طبعاً» خائفون مما قد تنتجه هذه الخصومة. ومن أعجب ما وصلت إليه هذه القضية أنها صارت موضوعاً لأفلام سينمائية - على قلّتها عندنا - فقد تبنى الفيلم السعودي «سكراب» الذي شارك في مهرجان الخليج السينمائي قصة حقيقية لسيدة قبض عليها شرطي المرور، وهي تقود سيارتها «بيك آب»، فوجدها سيدة فقيرة تعول نفسها بجمع «السكراب» فاقتادها إلى قسم الشرطة، وسألها: «أين ولي أمرك؟» فلم تجد إلا أن تقول له: ولي أمري هو الله. كل الناس استفادوا من موضوع قيادة السيارة إلا المرأة نفسها «طبعاً».

balbishr@gmail.com

Tags not available