|   

هل ما زلنا نؤيد الثورة السورية؟

Print A+ a-
الثلاثاء، ١٢ شباط ٢٠١٣ (١٥:٣٧ - بتوقيت غرينتش)
الثلاثاء، ١٢ شباط ٢٠١٣ (٢٣:٤٠ - بتوقيت غرينتش) بيسان الشيخ *

ليست الثورة السورية لمن يعاينها على ارضها، هي نفسها لمن يتابعها عن بعد. فمهما بلغت أخبار الاصدقاء مبلغاً عاطفياً، وشاشات التلفزة دقةً، ومواقع التواصل الاجتماعي تنوعاً، يبقى أن الاختبار الفعلي للقناعات على أرض المعركة يختلف جذرياً عن اطلاقها والدفاع عنها بعيداً منها. فهنا، تواجه معضلة أخلاقية تتمثل بسؤال مؤلم ومخجل إلى حد ما: هل كان إسقاط نظام الاسد يستحق كل تلك التضحية؟

وإذا وضعنا جانباً اعداد الضحايا الذين بلغوا وفق أرقام متفائلة 60 ألفاً، وأعداد المعوقين والنازحين والمهجرين، وتغاضينا عن الدمار الهائل الذي لحق بالبنى التحتية والاقتصاد والمعامل والمصانع ومواقع التراث العالمي، يبقى أن اختبار بؤس من بقي من هؤلاء جميعاً على قيد الحياة، أكثر إيلاماً من أي خسارة أو فقدان. ولا يتجسد البؤس في غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة والاوضاع الانسانية المزرية، وإنما في شعور عميق بالعجز وانسداد الأفق وذنب قاتل يتملك الناجين من المجازر والمعارك... لأنهم ببساطة لم يموتوا. ثمة رغبة دفينة بالموت تقارع يومياً تمسكاً ضئيلاً بالحياة. وإلى ذلك، فالضرر الأكبر ربما هو ذاك الذي اصاب الجسم السوري من تفسخ بين مكوناته. وقد يبدو في مشهد «الثورة عن بعد» أن هذا التصدع قائم على أسس طائفية، وهو جزئياً صحيح، لكنه قام على فرز جديد بين من يؤيد الثورة ومن يعاديها أو حتى من يقف منها على الحياد ضمن الطائفة الواحدة.

وهنا، تصفعك «نجاحات» النظام القاتلة والمتمثلة أولاً بعسكرة الثورة، التي دفع الأسد دفعاً مباشراً نحوها. فإذ واجه المتظاهرين بالقتل والاعتقال خلق لهم حاجة الدفاع عن أنفسهم، وزودهم بوسيلتها. هكذا فتح بعض ثكناته وباع الثوار سلاحاً ليعود ويمتلك ذريعة لمواجهتهم بأقوى منه.

ثانياً، جعل الثورة «طائفية» وتحويلها صراعاً بين مجموعات متطرفة ونظام يحمي الاقليات. ولا شك في أن انزلاق الثورة الى تبني تنظيمات كالنصرة وأخواتها وما صدر عنها من تجاوزات ساعد في تكريس تلك النظرية. فامتنع المجتمع الدولي عن دعم «المعتدلين» من الجيش الحر فيما استمر دعم الأقلية «المتطرفة» فيه حتى طغت على ما سواها... أو هكذا بدا.

ثالثاً، تحويل الثورة إلى حالة انسانية لا سياسية، تختزل المطالب بتأمين الخبر والغاز والكهرباء والامن، وهي اليوم شبه غائبة. فكأن النظام أعاد السوريين إلى اشتهاء ما كان عندهم، وبوفرة، فيما الحرية لم تظهر بوادرها بعد.

وبعد ذلك، قد يبدو أنه لا طائل من دعم ثورة في مواجهة نظام مستعد لإبادة مدن بمن فيها من أجل بقائه. فلم نستمر في تأييدها؟

... ليس من باب جلد النفس طبعاً. بل ببساطة لأن الثورة على أخطائها، ما زالت كما بدأت في يومها الاول: قضية محقة سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً، وأسباب الانحياز لها نابعة من ضعفها وقلة حيلتها ومن انحياز أول للضحية ضد الجلاد. وتلك كلها معطيات تكتسب عمقاً إضافياً وتصح اليوم أكثر من أي وقت. فإذا كانت المعارضة وجهة نظر منذ سنتين، فهي اليوم واجب سياسي وإنساني وأخلاقي بالمقدار نفسه. واجب يقضي بحماية الثورة من نفسها، ومن العسكرة والتطرف والعوز... ولا سبيل لذلك إلا بالوقوف الى جانبها ودفعها باتجاه العمل على مشروع سياسي واضح يقنع السوريين بأن غدهم أفضل بعد سقوط النظام.

 

* صحافيّة من أسرة «الحياة»

Tags not available