|   

علموا أولادكم الحب

Print A+ a-
الثلاثاء، ٢٠ تشرين الثاني ٢٠١٢ (٢٠:١١ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٢ (٢٠:٣١ - بتوقيت غرينتش) منال مسعود الشريف

متى آخر مرة قلت لوالديك، أو أختك وأخيك، أو شريك حياتك، أو طفلك أنك تحبهم؟ أتمنى ألا تكون الإجابة «لا أذكر»، وبالطبع أدعو الله ألا أسمع «ولا مرة»... كنت مع صديقتي حين جاءتها ابنتها تسأل: «قمت بتفريش أسناني، هل تحبيني يا ماما الآن؟»، استغربت جداً كيف تسأل الطفلة ما إذا كانت أمها تحبها... من حديثي مع صديقتي عرفت أنها لا تقول لابنتها صراحة «أحبك»، لكن باعتقادها أن اهتمامها بابنتها كفيل بإيصال الرسالة... الطفل بكل براءته لن يسأل هذا السؤال إذا كان متأكداً من حب والديه، فالأفعال إذا قرنت بالكلمات تكون أكبر مطمئن لأطفالنا أننا نحبهم.

خرجت بعض الفتيات بفكرة، ترسل كل واحدة رسالة لأخيها بكلمة «أحبك»، وتسجل ردات الأفعال التي كانت بالفعل طريفة، رد أحدهم على أخته: «خير وش السالفة؟ إنت مصخنة ولا فيك شيء؟ منار لا يكون بتموتين؟»، ورد الآخر: «الله أكبر! مرة وحدة أحبك! أجل كل هالوقت وش كنتِ؟ ما تستسيغيني ولا متحملتني بس لأني ساكن معك بالبيت؟…». على قدر ما كانت الردود طريفة على قدر ما كشفت مدى التصحر في العواطف الذي وصلنا له، وأننا لم نتعود على سماع أو إهداء كلمة «أحبك» حتى أن لسان الواحد ينطلق في كل الكلام وينعقد عندما يريد أن يتلفظ بكلمة «أحبك».

حتى الحب بمعناه المتداول وهو بين المحبين، وصل الأمر أن نجعله عيباً وفضيحة وحتى حراماً... استفتت فتاة موقع «الإسلام اليوم» عن أنها وقعت في الحب، ولا يعرف من يحبها بذلك، فهل ذلك حراماً؟ سأقتبس بعض الأجزاء من الفتوى: «هذا التيار الجارف الذي لا يحافظ على مبادئ، ولا قيم، ولا عرض، ولا شرف، باسم «الحب»؟»، ثم ذكر «لا تلوثي حياتك الطاهرة بهذا الرجس النتن الذي يسمونه «الحب»، ثم يسألها: «إذا علم أهلك بهذا الحب، ماذا سيكون موقفهم معك؟ إنهم سينهالون عليك ضرباً وسباً، وشتماً، وحبساً إلى غير ذلك من ألوان التعذيب... هذا الطريق طريق الشيطان»، الفتوى دموية حتى أن السائل سيظن أنه ارتكب كبيرة من الكبائر، والأهل سيجدون المخول أن ينكلوا بابنتهم ليس باسم الشرف فقط بل باسم الدين من باب أنه حرام «من طريق الشيطان»!

ماذا قال النبي «صلى الله عليه وسلم» عن الحب؟ قال: «لم ير للمتحابين مثل النكاح»، فالحب قد يحدث قبل الزواج، لأن الحب من المشاعر الإنسانية الطبيعية، ولا سيطرة للإنسان عليها. قرأت مرة: «في العُرف وثقافة المجتمع أن الحب يجلب العار، والزواج يستره، وفي الثقافة المحمدية الحب فطرة والزواج يحفظه».

تاريخياً لم يهتم بالحب كالعرب، فمنذ عصر الجاهلية حتى عهد الإسلام لم يتغن العرب في شيء مثل المحبوب، ولم يستثر شيئاً قريحة الشعراء مثل الحب... يذكر ابن قيم الجوزية في كتابه «روضة المحبين» أن اللغة العربية حافلة بأسماء العلاقة بين المتحابين حتى بلغ بها إلى الستين اسماً... حتى أن أجمل ما كُتب في الشعر كان في الحب، ولم يخجل الشاعر العربي يوماً من التصريح باسم من يحب:

«أليس وعدتني يا قلب أني

إذا ما تبت عن حب «ليلى» تتوب

فها أنا تائبٌ عن حبِّ ليلى

فما لك كلما ذُكرت تذوب»

هذا التاريخ يجعلنا نتساءل منذ متى أصبح التعبير عن الحب للآخر خطيئة؟ إذا كان الحب خطيئة، فهو الخطيئة الطاهرة... وإذا كان الحب عيباً، فنحن أكبر عيوبه... علموا أولادكم أن الحب ليس عيباً أو حراماً... الحب هو الحياة... وتذكروا أن فاقد الشيء لا يعطيه!

 

 

manal.msharif@gmail.com

@manal_alsharif

Tags not available