|   

«الجيش الحر» جيش الضحايا الذي أثقلت عليه التسمية

Print A+ a-
السبت، ٢٥ آب ٢٠١٢ (١٦:٤١ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٥ آب ٢٠١٢ (١٦:٥٤ - بتوقيت غرينتش) حازم الأمين

كم تبدو ظالمة محاسبة «الجيش السوري الحر» بصفته جيشاً يجب إخضاعه لقواعد المحاسبة التي تخضع لها الجيوش، لكنه ظلم ضروري على رغم ما ينطوي عليه من تعسف. ذاك أن الوظيفة المنوطة بـ «ظلم ذوي القربى» هي إشعار «الجيش الحر» بأن عين رقيب ثاقبة لن تُغفل انتهاكات حصلت، ومن الممكن أن تحصل، وهي تُصيب الثورة قبل أن تُصيب خصومها.

لا يقترب النقاش الدائر حول دور «الجيش السوري الحر» من حقيقة هذا الجيش ولا يُلامس معضلاته. انه نقاش من خارج سورية، يُخترع فيه هذا الجيش وتُرسم صور له وتُحدد وظائف افتراضية لـ «كتائبه». يُقال مثلاً إن «الجيش الحر فعل ذلك»، فيتصور المرء جيشاً وقيادة وقراراً، وهذا ليس حقيقة ما يجري. والحال إن أول ما أصاب هذا الجيش هو اسمه! إذ انه «جيش» على نحو ما تشير تسميته، وهو وفق ما هو سائد، وحدات منشقة عن الجيش السوري النظامي، انتقل ضباطها وعناصرها إلى الجهة الأخرى من الجبهة، وباشروا التصدي للوحدات التي انشقوا عنها. وغالباً ما ترافِق هذا الاعتقاد صور متخيلة عن أسلحة وعتاد وخطط حربية، تتغذى من هذيانات معارضين في الخارج يكشفون خططاً عبر الفضائيات لعمليات «دقيقة» أنجزها «الجيش السوري الحر» برعايتهم. في الداخل، كم يبدو هذا الاعتقاد خاطئاً وظالماً، ومعرضاً المجموعات المقاتلة لخيبات أحدثتها طموحات غير واقعية.

ليست هذه حال المجموعات التي تُقاتل النظام في سورية على الإطلاق. أولاً هي ليست جيشاً، بل إن تحولها إلى «جيش أنصار» ما زال يعوزه وقت وعمل. وهي أيضاً ليست وحدات منشقة عن الجيش النظامي، فالمقاتلون في هذه المجموعات الذين انشقوا عن الجيش النظامي لا تبلغ نسبتهم من عديد المجموعات أكثر من 30 في المئة. وغالبية من انشق من ضباط الجيش النظامي لم تلتحق بهذه المجموعات إنما غادرت إلى دول الجوار (تركيا والأردن) التي أقامت، لأسباب ما زالت غامضة، مخيمات للضباط، أشبه بمراكز احتجاز، يمنع فيها هؤلاء من مغادرة المخيم إلا بإذن عسكري. أما الأسلحة التي في أيدي تلك المجموعات فلا تمت لأسلحة الجيوش بصلة. أسلحة خفيفة وقليلة وعديمة الانسجام، ولا تؤدي مهمات كاملة. وأما سر صموده وإصراره وانسجام قطعه فيتمثل فقط في الرغبة العارمة والحاسمة في قتال جيش النظام وإبعاده عن مناطق المدنيين.

من المرجح أن ليبيا كانت أكثر حظاً بالاسم الذي اقترحته وتبنته لمسلحي ثورتها. انهم «الثوار» على ما تنطوي هذه العبارة من سعة وطلب للمغفرة واستدعاء للحساب. انهم ثوار علاقتهم مستجدة بالسلاح وبالحروب، وهم ضحايا نظام يجب الحد من ميلهم إلى الانتقام. وكم يُشبه ذلك ما يجري في سورية اليوم. «الجيش الحر» صورة عن ضحية النظام في سورية، على ما ينطوي ذلك من احتمالات. انه الناس وقد حملوا السلاح، وهو ليس جيشاً من الملائكة، بل جيش من الضحايا، والضحية في الواقع الفعلي ليست ملاكاً.

ليس في ذلك التعريف طلب للمغفرة على الإطلاق، إنما سعي إلى تصويب الحساب، والبحث عن المسؤولية عن الابتعاد عن قيم السلمية التي كانت السمة الأساسية للثورة في السنة الأولى من اشتعالها. والنظام طبعاً هو المسؤول الأول والمطلق عن العسكرة. ولكن ثمة سمة أخرى تطبع الحراك السوري في الداخل الآن: فمسلحو الثورة ليسوا سلطتها المطلقة، وقدرة المجموعات المدنية على التأثير والتصويب كبيرة، لكنها انحسرت ليس فقط بفعل طغيان السلاح والانتقال من الثورة إلى الحرب، إنما أيضاً بسبب نزوح وخروج كثيرين من الناشطين المدنيين، ناهيك عن أن النظام قتل معظم جيل الثورة السلمية الأول.

ثمة تأثير حاسم لأي عمل مدني في الثورة السورية، وفي الحروب الدائرة والمنتقلة من ضفافها إلى متنها. نسبة لا يُستهان بها من الناشطين المدنيين الذين لم يخرجوا من سورية ولم يُقتلوا هم اليوم قادة وحدات في «الجيش الحر»، استسلموا مرغمين للمواجهة المسلحة، وقليلون ممن لم يتوجهوا من البلدات والمدن إلى الجبهات، ما زالوا فاعلين، تعوّل مجتمعاتهم على نشاطهم في الإعلام و التظاهرات والإغاثة، وهؤلاء يربطهم بالقيم الأولى للثورة حنين ورغبة في الاستئناف. فالمدن الصغيرة والبلدات والقرى ما زالت بؤراً للثورة تُقيم فيها شعائرها السلمية، وتتحدث عن الأخطاء على الجبهات، وتطلب مُهلاً وصفحاً، وتقول مخطئة: لسنا الآن بصدد المحاسبة على التجاوزات... نريد أولاً أن نُسقط النظام.

المدن والبلدات التي تُمسك بها المجموعات التي سُميت «الجيش الحر»، ما زالت لـ «السلمية» قيمة فيها. أهالي بنش مثلاً عندما رغبوا في استضافة صحافيين زاروا بلدتهم قالوا: «باتوا ليلتكم في بلدتنا فسننظم لكم تظاهرة ليلية». لم يقولوا «ننظم لكم عرضاً عسكرياً» على رغم أن السلاح متوافر لهذه المهمة.

ما زالت لـ «السلمية» جاذبيتها على رغم تفشي العسكرة وقيمها في أنحاء الثورة، لكن الضعف الذي أصاب «السلمية» يمكن أيضاً تعويضه إذا قررت المعارضة المدنية العودة من تركيا ومن بيروت وعمان، وهذه العودة ممكنة وقد أقدم عليها ناشطون غادروا ثم عادوا تحت إلحاحها.

ليس «الجيش الحر» جيشاً، انه وحدات محلية ومرتجلة. انه جيش أهلي يتسع لكل ما تعنيه الكلمة من تفاوتات واحتمالات. وإطالة أمد الأزمة في سورية مضافاً إليها استمرار الرغبة الدولية في الانكفاء والحذر، تُرشح هذا الجيش الأهلي إلى مزيد من التذرر وإلى توسع الهوامش. فالوجوه «المحلية» لقادة الكتائب ستتسرب إليها أقنعة أمراء الحرب، وخليط الناشطين و«الفتوّات» والضباط لن يتمكن من تلقائه من بلورة صورة واحدة للثائر في أرياف المدن، وفي تخومها وأحزمتها.

ليسوا ملائكة، والأكيد انهم ليسوا شياطين، انهم ضحايا النظام، وقابلية الضحية لأن تنقلب جلاداً يمكن الحد منها عبر استعجال الحل أولاً، وعبر عودة جيوش الناشطين المقيمين خارج الحدود إلى مجتمعات الثورة لا إلى جبهاتها.

Tags not available