على رغم أهميته يظل الملف الاقتصادي أحد الملفات المسكوت عنها لدى الإسلاميين. ومن المفارقات أنه على رغم وصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من بلد عربي إلا أننا لم نسمع عن سياسة اقتصادية خاصة تميز الإسلاميين عن غيرهم من القوى السياسية والأيديولوجية. بل الأكثر دهشة أنه حتى الآن لم يحدث تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية التي يتبعها الإسلاميون عن تلك التي كانت سائدة تحت الأنظمة السلطوية التي أسقطها الربيع العربي. لذا فإن السؤال الذي يدور في خلد الكثيرين هو: هل توجد لدى الإسلاميين رؤية اقتصادية مختلفة عن سابقيهم؟ وإذا كانت موجودة هل لديهم القدرة على تفعيلها وتطبيقها؟
من دون الانزلاق إلى أحكام معيارية قد تجافي الحقيقة فإنه يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال رصد الواقع الراهن واختبار السياسة الاقتصادية (إن صح استخدام المصطلح) التي يتبعها الإسلاميون، بخاصة في مصر على الأقل من خلال تصريحات قياداتهم وفي شكل أكثر وضوحاً من خلال القرارات والإجراءات التي يجري اتباعها الآن. وهنا يمكن رصد أربع نقاط مهمة قد تلقي بعضاً من الضوء على الاقتصاد السياسي للإسلاميين:
أولاً: ثمة محاولة مستمرة من الأحزاب الإسلامية لوصف برامجها ورؤاها الاقتصادية بكونها تتبع المنهج والتعاليم الإسلامية أو أنها تروم إلى تطبيق ما بات يعرف بـ «الاقتصاد الإسلامي»، وهو مصطلح مثير للجدل بحد ذاته داخل الأوساط الأكاديمية والفكرية. ومن دون الدخول في متاهات هذا الجدل يمكن القول بأن ظهوره كان بمثابة محاولة «ثقافية» وأيديولوجية للهروب من «كماشة الرأسمالية والاشتراكية» أكثر من كونه تأصيلاً رصيناً لنظرية اقتصادية متكاملة تستلهم القيم الإسلامية. بل حدث انفصام واضح بين القيم والممارسات التي ينطوي عليها هذا النوع من النشاط الاقتصادي. فعلى سبيل المثال لا تختلف ممارسات ما يطلق عليه «البنوك الإسلامية» كثيراً عما تقوم به البنوك التجارية المعروفة. وما حدث هو استبدال بعض المصطلحات بأخرى كالربا والغرر والصكوك إلخ ... ومن المفارقات أن ظهور مصطلح الاقتصاد الإسلامي لم يكن على أيدي الإسلاميين (أول ظهور له كان أوائل الستينات في منطقتي ميت غمر وزفتي بدلتا بمصر من خلال عمليات الادخار التعاوني بين الفقراء والعائلات في ريف مصر والتي وضعت البذرة الأولى لإنشاء بنك ناصر الاجتماعي خلال الحقبة الناصرية) بل حاول هؤلاء استخدامه كجزء من التوظيف الرمزي والهوياتي المستمر لكسب الشرعية والقبول المجتمعي. بل إن بعضهم يستخدم مصطلحات الاقتصاد الإسلامي كالمرابحة والمضاربة والمشاركة من دون فهم أو معرفة اقتصادية بما تنطوي عليه هذه المصطلحات من حسابات رياضية واقتصادية. وقد تحول مفهوم الاقتصاد الإسلامي ذاته إلى مصدر للتربح وتضخيم الثروات بما في ذلك لبعض رجال الدين والفقهاء الذي يشاركون في التأصيل القانوني والفقهي للمعاملات الاقتصادية وهو ما يتنافى مع قيم العدالة والزهد التي يفترض أنها أحد دوافع ظهور هذا المفهوم وتلك قصة أخرى.
ثانياً: يوجد انفصام لا تخطئه العين بين ما تنص عليه البرامج الاقتصادية للإسلاميين وبين سياستهم الفعلية. فعلى سبيل المثال في الوقت الذي يفرط فيه برنامج حزب «الحرية والعدالة» في استخدام مصطلحات ولغة تستند إلى ما يطلق عليه في البرنامج اسم «النظام الاقتصادي الإسلامي» (كالبيوع ومحاربة الاكتناز والتطفيف والبخس والتقتير...إلخ) إلا أن السياسة الاقتصادية والممارسات الواقعية للحزب لا تختلف كثيراً عن الممارسات الرأسمالية التي كان يتبعها النظام السابق (الآن يجري التفاوض مع صندوق النقد الدولي من أجل حصول مصر على قرض يتجاوز 4 بلايين دولار وهو القرض الذي سبق أن رفضه «الإخوان» بشدة قبل تولي محمد مرسي السلطة) وهو ما حدا ببعض الباحثين لوصف الرؤية الاقتصادية لـ «الإخوان» بأنها رؤية «نيو-ليبرالية» يمينة لا تختلف كثيراً عن رؤية نظام حسني مبارك ورجاله. كذلك الحال في حزب النهضة بتونس الذي لا تدخر قياداته مناسبة إلا ويطالبون بزيادة رؤوس الأموال الكبيرة وتشجيع القطاع الخاص والانخراط في شراكة اقتصادية دولية تقوم على مبادئ السوق الحرة والالتزام بالمشروطية الدولية في ما يخص برامج التحرير الاقتصادي والتي غالباً ما تأتي على حساب الفقراء ومحدودي الدخل. ولا يدرك الإسلاميون أن مثل هذه السياسات كانت سبباً أساسياً في قيام الثورات ضد الأنظمة السابقة بسبب ما أحدثته من فوارق اجتماعية واقتصادية بين الأغنياء والفقراء ولهم في تراجيديا محمد بوعزيزي عبرة وعظة.
ثالثاً: ثمة انفصام وانفصال أيضاً بين الخطاب الديني والأيديولوجي للإسلاميين من جهة، وسلوكهم الاقتصادي من جهة أخرى. فالحديث المفرط عن الشفافية والزهد والعدالة الاجتماعية والمنافسة العادلة يقابله تراكم في رأس المال وتضخم في الثروة والاهتمام برجال الأعمال «الإسلاميين» على حساب الفقراء. ويقدم رجال الأعمال في جماعة «الإخوان» نموذجاً واضحاً لهذه الازدواجية والذين يطبقون نموذج «اقتصاد السوق» بحذافيره من خلال امتلاك العشرات من الشركات والمصانع ويسعون لاحتكار واقتناص الكثير من المجالات والقطاعات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الثورة. بل الأدهى أن ثمة محاولة لإسكات القطاعات المعارضة لهذا التوجه الاقتصادي كالعمال والمهمشين من خلال السيطرة على اتحادات العمال والنقابات المهنية والعمالية. والمدهش أن يتبنى رجال الأعمال المحسوبون على الإسلاميين ويروجوا نفس المقولات السياسية والحسابات الاقتصادية لتبرير سلوكياتهم وأهمها رفع معدلات النمو وجذب الاستثمارات الأجنبية وذلك على حساب تحقيق التنمية والتوزيع العادل للمداخيل والموارد. ويبدو كثير من الإسلاميين في حالة انبهار بالنموذج الاقتصادي الذي يقدمه حزب «العدالة والتنمية» التركي والذي نجح في نقل الاقتصاد التركي من شفير الانهيار والإفلاس إلى اقتصاد قوي. بيد أن التدقيق في هذا النموذج يكتشف أنه قام بطحن الكثير من الفقراء والمهمشين من أجل تحقيق مصالح الطبقة البرجوازية المرتبطة بالحزب من أبناء الحضر والطبقة الوسطى وهو ما يحتاج لمقال منفرد.
رابعاً، وهو الأهم، فهو إصرار الإسلاميين على اعتماد نموذج «الدولة الرعوية» في سياستهم الاقتصادية. وهو نموذج أشبه بالرق الاقتصادي الذي يتعاطى مع الأفراد ليس باعتبارهم مواطنين ذوي حقوق وإنما أجراء أو «عابري سبيل» يستحقون المنح والعطف. بكلمات أخرى فإن أحد ميكانيزمات النشاط الاقتصادي لدى الإسلاميين لا ينطلق من اعتبار أن ثمة خللاً هيكلياً في النظام الاقتصادي السائد وإنما باعتبار أن المشكلة هي في القائمين عليه (لعل هذا ما يفسر تصريح القيادي «الإخواني» ورجل الأعمال الشهير حسن مالك حول نجاعة السياسة الاقتصادية لنظام مبارك مع نقد بعض الممارسات الاحتكارية والفساد المالي). ويعتقد الإسلاميون أن بإمكانهم إدارة النشاط الاقتصادي للدولة على غرار إدارتهم لأنشطتهم الاجتماعية الرعوية. فالشبكات الاجتماعية والخدمية والاقتصادية لـ «الإخوان»، على سبيل المثال، تمثل نوعاً من الاقتصاد الموازي أو غير الرسمي الذي يعتمد مبدأ «الإعانات» وليس الشراكة بين مواطنين متساوين، ناهيك عن الشفافية والمحاسبة. وتلعب هذه الشبكات دوراً مهماً في توفير الدعم السياسي والانتخابي للإسلاميين في مواجهة منافسيهم. لذا فإن اعتماد هذه السياسة على المستوى الكلي يعني أن يتحول المجتمع كله إلى دائرة انتخابية للإسلاميين تضمن بقاءهم في السلطة بشكل دائم.
* كاتب وأكاديمي مصري، جامعة دورهام - بريطانيا.
تويتر @khalilalanani

-
الغذاء قبل الدواء - 3 فيتامينات مضادة للأكسدة
-
«مونديال 2014» ليس «كل شيء على ما يرام»!
-
تطبيق «إنستاغرام» بوابة «تسويقية» لمشاريع شبابية سعودية
-
«فن الشارع» في بغداد ... طريقة احتجاج أسبوعي على السلطة
-
"إربت تنحل"
-
قصة «ابتكار» النجم ديفيد بووي
-
حقائب نسائية ... بإيقاع موسيقي!
-
"حريم السلطان" يغزو الصين
-
وزيرة يمنية تبيع خاتمها لدعم مكافحة القات
-
600 طالب سوري يؤدون امتحاناتهم "الرسمية" في لبنان
-
زياد الدريس
رحلة الإسراء والمعراج..رسالة التواصل الأفقي والعمودي
-
عبدالله اسكندر
لماذا روحاني؟
-
رندة تقي الدين
تخلي أوباما المخذل
-
طوني فرنسيس بوتين الأميركي - الإيراني يلعب الجودو في سورية
-
بدرية البشر
ربما - «لا تخببني ولا أخببك»!
-
جهاد الخازن عيون وآذان (الفرار الى الأمام)
-
عبدالعزيز السويد
التميّز أو علك «أبوطابع»!
-
ابراهيم العريس «أوراق العشب» لوالت ويتمان: أميركا التي كانت حلماً
-
حازم صاغيّة إيران روحاني بين أملين
-
الياس حرفوش كلّهم خامنئي
-
علي بن طلال الجهني
أنفط صخري أم صخر نفطي؟
-
ثريا الشهري
عابر حياة - ثلاث مقابلات
-
جميل الذيابي
هل بدأت المعركة الدولية لإسقاط بشار؟
-
غسان شربل
روحاني والمرشد والمفتاح
-
جورج سمعان
تغيير في سورية بعد فوز روحاني وتحرك أوباما؟