كشفت الأوساط الطبية في فرنسا عن ضياع الجهود النفسية والمادية الذي يكتنف عالم الطب. فقد تبيّن أن ما يقرب من ثلث ما يُصرف في التطبيب، سواء في الكشوف الطبية والتحاليل، أو في تناول الأدوية والمسكنات، هو مما كان بالإمكان الاستغناء عنه. لم تستطع الاستطلاعات أن تكشف بالضبط عن الجهة المسؤولة عن هذا التبذير. فقد رد الأطباء الذين تمت مساءلتهم بأن الأمر يرجع أساساً إلى الاستجابة لرغبات زبنائهم، الذين يتخوّفون من بعض الأمراض، فيطلبون من الطبيب أن يعين لهم بعض الكشوف والتحليلات، بل أن ينصحهم ببعض المهدئات والأدوية لـ «يطمئن قلبهم».
لكن هؤلاء يرجعون الكرة إلى مرمى الأطباء، فيتهمونهم بالشره المادي، والتحايل على الزبناء، واختلاق أوهام، وافتراض أعراض ليجبروهم على كثرة الفحوص، والإقبال على المهدئات والمسكنات، بل حتى على المضادات الحيوية.
من السهولة بمكان إرجاع الأمر إلى عامل أخلاقي أو حتى سيكولوجي لتفسير الظاهرة. فالقول بالشره المادي لبعض الأطباء، أمر قد يكون وارداً، كما أن «هوس المرض» قد يدفع الكثير منا لأن يبحث عن اطمئنان النفس بإجراء بعض التحليلات والكشوف، لكن يبدو على رغم ذلك، أن المسألة تتجاوز الأفراد والأخلاق والسايكلوجيا. يكفي أن نسترجع مسلسل التهويل والتخويف الذي عشناه منذ نهايات القرن الماضي، من توقعات لأمراض وأوبئة تبين فيما بعد أنها لم تكن من الخطورة، ولا من الانتشار، وربما حتى من الضرورة، بحيث تقام لها الدنيا وتقعد، وتُهيأ لها أبواق الدعاية، وتحذيرات الهيئات الطبية العالمية والمحلية، وتُجند لها المختبرات ومقاولات صناعة الأدوية. ما زالت تعلق بأذهاننا تلك الأشكال من الجنون التي أصابت مختلف الحيوانات ابتداء من البقر والخنازير حتى الطيور، قبل أن تنتقل الى الفواكه والنباتات التي كلفت المنتوجات الفلاحية الاسبانية والألمانية ثمناً غير يسير، ناهيك عن أنواع الحمى التي تتنوع بتنوع الحروف الأبجدية، والتي تظهر هنا وهناك، والتي خلف بعضها، في فرنسا مثلاً، مخزوناً هائلاً من حقن التلقيح التي كلفت قطاع الصحة في هذا البلد مبلغاً مهولاً، والتي لا شك في أنها ستُعَرّض للاتلاف.
الظاهر إذاً أن القضية لا تتوقف فحسب على مجرد تخوفات نفسية، أو تكالب على الكسب المادي لبعض الأطباء، بل ربما تتجاوز الأفراد، كي تغدو ظاهرة العصر. وهي ربما تتعلق بمرض فعلي، وليس فحسب بأوهام أمراض، هو ما يمكن أن نطلق عليه: «مرض الخوف من المرض». ذلك أن صناعة العلاجات والأدوية، بما يدخل فيها من أطباء ومختبرات وهيئات طبية، تعمل اليوم جنباً إلى جنب، مع صناعة موازية تتدخل فيها الأطراف نفسها، هي صناعة الأمراض، أو على الأصح، صناعة التخويف من المرض، مع ما يتطلبه ذلك من تهويل وخلق لحالات الطوارئ، وتجنيد لآليات الدعاية و «الوقاية». تعمل الصناعتان بتضافر محكم، على «الاعتناء» بالمواطن وحفظه من أن يتعرض لما قد يظهر دوماً أنه سيغدو مرضاً.
* كاتب مغربي

-
حقوق الروبوت قد تتساوى مع حقوق البشر
-
لمحات ثقافية - سؤال
-
عودة البطل من الموت
-
رحيل المغني الفرنسي المصري المولد جورج موستاكي
-
ياباني يقهر العمر... والقمة
-
شيكاغو تُغلق 50 مدرسة رسمية
-
صلاح السعدني يحارب زواج القاصرات
-
كيري "يتغدّى" شاورما ويتحلّى بالبقلاوة والكنافة في رام الله
-
الأنوار "يضيء" لقب الطائرة اللبنانية
-
خبير: أجهزة الكمبيوتر ستمتلك قريباً «عيون وأذان»
-
وليد شقير كيري يحذّر الأسد ويخشى أفغانستان
-
حسام عيتاني التحرير من دون أوهامه
-
راغدة درغام
المواقف الغربية تهادن النظام الإيراني
-
جهاد الخازن عيون وآذان (فضائح الآخرين)
-
ابراهيم العريس «أبناء العالم الجديد» لآسيا جبار: تلك الثورة بين أبنائها وأعدائها
-
الياس حرفوش حرب فيليب سالم... وحرب لبنان
-
عبدالوهاب بدرخان
دمشق وطهران خاسرتان في أي حل سياسي
-
ثريا الشهري
عابر حياة - فكرة بسيطة
-
عبدالعزيز السويد
غسيل عمالة في سوق شيال
-
زياد الدريس
الإعلام... «السُّلطة الثانية» وليس الرابعة
-
عبدالله اسكندر
«حزب الله» والقتال في سورية
-
رندة تقي الدين
مرحلة ما بعد بوتفليقة
-
بدرية البشر
ربما - أميركية تتقاعد في الثمانين... وسعودية تصل إلى قمة إيفرست
-
حازم صاغيّة سايكس - بيكو: خير إن شاء الله؟
-
علي بن طلال الجهني
أغنياء يقترضون