لم أفق بعد من رحيل الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ثم أُصدَم بوفاة الأمير نايف، شقيقه. أعرف أن الموت حق، إلا ان من حقي أن أحزن، أن أتألم، أن أسترجع ذكريات عزيزة على قلبي مع الأمير الراحل.
ليس الأمر إمارة أو وزارة، وإنما صداقة شخصية على امتداد عقود اختلطت فيها الذكريات الخاصة بالعمل العام، فلم أكن أعرف وأنا أجلس مع الأمير نايف الحديث (وقبله الأمير سلطان) أين أرسم الخط بين العمل، وهو لي الخبر السياسي، وبين الصداقة حتى لا يغلب واحدٌ الآخر.
في أواسط السبعينات كنتُ عند الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أيام كان أمير الرياض، ورأيت أن أستغل الفرصة ووجهت إليه عدداً من الأسئلة السياسية، وهو رد على بعضها ثم قال لي إن أسئلتي من اختصاص الأمير نايف، وزير الداخلية في حينه، ورتّب لي مكتبه موعداً مع الأمير نايف، فكان ذلك الاجتماع فاتحة صداقة تُكمل الآن عقدها الرابع. وعندما احتفلت «الشرق الأوسط» بعيدها الخامس والعشرين قال لي أمام جمع من الحضور: أنا جيت عشانك، فقد كنتُ أول رئيس تحرير لها.
في البداية، كنت أجتمع مع وزير الداخلية في مكتبه خلال دوام النهار، إلا انه بعد أن وثق بدقتي في تناول أخباره أصبح يعطيني آخر موعد له في الليل. وخرجت غير مرة من مكتبه في المبنى المشهور الذي يبدو كهرم مقلوب في الخامسة صباحاً، فقد كنا بعد حديث السياسة نتبادل حديث الصداقة، حتى يقترب موعد صلاة الفجر فيعود الأمير الى دارته ليصلّي الفجر وينام.
كان الأمير نايف محافظاً ولا جدال، وكنت أناقشه في كل القضايا من دون حرج، من سواقة النساء الى حكم الإعدام. وإزاء إصراري على حق النساء في قيادة السيارات، قال لي مرة ضاحكاً: نحن رجالنا لا يعرفون كيف يسوقون سيارة، وأنت تريد النساء أن يسقن؟
قلت له مرة انني أعارض حكم الإعدام باستثناء حالة اغتصاب طفل أو قتله. وهو قال لي إن مشكلتي انني أفكر في القاتل، وهو يفكر في ضحيته.
القدرة الحقيقية والأهم للأمير نايف بن عبدالعزيز بدت كأوضح ما تكون في عمله كرجل الأمن الأول في المملكة العربية السعودية، فهو لم يستعمل الشدة فقط في مواجهة الإرهابيين، وإنما خلط الشدة باللين أو ما يسمى بلغة العصر سياسة العصا والجزرة، واستطاع فريقه ان يقنع عشرات من الإرهابيين المحتملين بخطأ اسلوبهم فعادوا الى جادة الصواب، وكانت الحكومة تعيد تأهيلهم وتجري عليهم مرتبات، وتساعدهم على الزواج والاستقرار.
كان من نجاح هذه السياسة أن الأميركيين قرروا تقليدها، وحتى الشهر الماضي كنت أقرأ تفاصيل عن برامج اميركية صيغت على اساس التجربة السعودية.
أضع الصداقة جانباً، وأقول بما أملك من موضوعية مهنية ان الأمير نايف كان أولاً وأخيراً وطنياً سعودياً يقدم مصلحة بلده كما يراها على كل مصلحة أخرى، ولا يخاف من اتخاذ موقف حازم جريء عندما تدعو الحاجة.
ومثل واحد يكفي تابعته مع الأمير وكتبتُ عنه، ولا أزال أحتفظ بنصوص جلساتنا معاً، هو انفجار الخُبر سنة 1996. الأميركيون طلبوا ان يديروا التحقيق بأنفسهم ورفض الأمير نايف، وطلبوا المشاركة بالتحقيق ورفض الأمير ايضاً، وهو لم يسمح لهم بشيء في النهاية أكثر من ان يكتبوا اسئلة يوجهها المحققون السعوديون الى المتهمين، فيما الأميركيون يتابعون الموضوع من وراء مرآة باتجاهين.
لا أعتقد انني أكشف سراً إذا قلت ان الأمير نايف جمع ما يكفي من معلومات تدين «حزب الله» السعودي وإيران بانفجار الخُبر، إلا انه بدل أن يسلّم الأدلة الى الأميركيين فيوجهون ضربة الى إيران تطلق إرهاباً جديداً، هدد الإيرانيين بما عنده من معلومات، والنتيجة انه عقد تفاهماً امنياً معهم، فلم تقع منذ 1996 أي عملية إرهابية ضد هدف سعودي، داخل البلاد أو خارجها، مصدرها شيعي إيراني أو غيره. هذا الإنجاز حمى أرواح سعوديين كثيرين، وأنا شاهد مباشر عليه.
الأمير نايف بن عبدالعزيز صديقي، وهو عند ربه فأطلب له الرحمة، وأطلب لأشقائه وإخوانه وأبنائه العزاء في راحل كريم وابن بار لبلده وأمته.
khazen@alhayat.com

-
الغذاء قبل الدواء - 3 فيتامينات مضادة للأكسدة
-
«مونديال 2014» ليس «كل شيء على ما يرام»!
-
تطبيق «إنستاغرام» بوابة «تسويقية» لمشاريع شبابية سعودية
-
«فن الشارع» في بغداد ... طريقة احتجاج أسبوعي على السلطة
-
"إربت تنحل"
-
قصة «ابتكار» النجم ديفيد بووي
-
حقائب نسائية ... بإيقاع موسيقي!
-
"حريم السلطان" يغزو الصين
-
وزيرة يمنية تبيع خاتمها لدعم مكافحة القات
-
600 طالب سوري يؤدون امتحاناتهم "الرسمية" في لبنان
-
عبدالعزيز السويد
أحياناً... «العجّاز» يعلم الغيب
-
زياد الدريس
رحلة الإسراء والمعراج..رسالة التواصل الأفقي والعمودي
-
عبدالله اسكندر
لماذا روحاني؟
-
رندة تقي الدين
تخلي أوباما المخذل
-
طوني فرنسيس بوتين الأميركي - الإيراني يلعب الجودو في سورية
-
بدرية البشر
ربما - «لا تخببني ولا أخببك»!
-
جهاد الخازن عيون وآذان (الفرار الى الأمام)
-
ابراهيم العريس «أوراق العشب» لوالت ويتمان: أميركا التي كانت حلماً
-
حازم صاغيّة إيران روحاني بين أملين
-
الياس حرفوش كلّهم خامنئي
-
علي بن طلال الجهني
أنفط صخري أم صخر نفطي؟
-
ثريا الشهري
عابر حياة - ثلاث مقابلات
-
جميل الذيابي
هل بدأت المعركة الدولية لإسقاط بشار؟
-
غسان شربل
روحاني والمرشد والمفتاح
-
جورج سمعان
تغيير في سورية بعد فوز روحاني وتحرك أوباما؟