|   

النسخة: الورقية - دولي

انطوى إخلاء حمص القديمة على دلالات عدة لا بد من مراجعتها. فالاتفاق تمّ هذه المرّة بإرادة الإيرانيين وبالتنازلات التي وافقوا عليها، خصوصاً في ما يتعلّق منها بشروط خروج المقاتلين بما يستطيعون حمله من أسلحة وانتقالهم الى ريف حمص الشمالي. كما أن وجود مفاوضَين ايراني وروسي لم يؤكد تدخّل البلدين فحسب، بل وفّر الضمان الذي بحث عنه ممثلو حمص ولم يحصلوا عليه من مندوب النظام، لكنه طرح مجدداً أسئلة مدوّية عن دوافع صمت غربي - اميركي أعطى «مشروعيةً» لهذا التدخّل.

ثم إن الإيرانيين اعتبروا إنهاء معركة حمص نتيجةً تلقائيةً لمعاركهم في القُصَير والقلمون، وقد خاضها أتباعهم من «حزب الله» والميليشيات العراقية. وحين تركوا النظام يفاوض ويتوصل الى اتفاق في منتصف نيسان (ابريل) الماضي، رأوا أولاً كيف أخفق هذا الاتفاق بسبب إصرار بعض أطراف النظام على إسقاط حمص القديمة عسكرياً، ثم كيف فشلت ميليشيا «جيش الدفاع الوطني» في الاقتحامات التي حاولتها والخسائر الكبيرة التي منيت بها بالتزامن مع خسائر مماثلة في معركة كَسَب، لكن الأهم عندهم أن استرجاع أسراهم وأسرى «حزب الله» بدا مهدّداً اذا واصلوا الاعتماد على مفاوضي النظام.

كان الإيرانيون والروس مدركين بأن ثمة مرحلة تنتهي في الصراع السوري، وأن مرحلة اخرى تبدأ مع استشراس متزايد للنظام في القصف بقصد تدمير الأحياء السكنية تحديداً في حلب، ولذا أرادوا استغلال فرصة سانحة لتحرير أسراهم عند مقاتلي المعارضة. وفي الوقت نفسه وجد الإيرانيون أن الظرف مناسبٌ لأن تشمل «الصفقة» ادخال مساعدات انسانية الى قريتي نبّل والزهراء الشيعيتين المحاصرتين من جانب المعارضة في محافظة إدلب. لذا وافقوا على ما لم يكن النظام ليوافق عليه، أي خروج مقاتلي حمص بشروطهم وبمعيتهم مندوبون للأمم المتحدة مع مواكبة من شرطة النظام وصولاً الى أقرب نقطة آمنة لهم.

تكمن المفارقة هنا في نقطتين. أولاهما أن مسلسل اليد العليا الإيرانية يتواصل عسكرياً وسياسياً، فالنظام الذي يدّعي «حماية الأقليات» يترك لإيران وأتباعها رعاية كاملة للشأن الشيعي في سورية. والثانية أن الإفراج عن أسرى من ميليشيا «جيش الدفاع الوطني» كان بمبادرة ايرانية، ففي كل عمليات التبادل نادراً ما اهتمّ النظام بأسراه ولا سيما المدنيين منهم، اذ لا يزال رافضاً التفاوض للإفراج عن نحو مئة وثلاثين شخصاً احتجزوا بعد الهجوم الأول على منطقة الساحل (آب/ أغسطس 2013)، وكذلك يرفض التفاوض على فك الحصار عن عائلات عسكريين في منطقة عدرا. وحجّته أنه «الدولة»، ولا يجوز لها «التفاوض مع الإرهابيين»، لكن منذ بدء ثورة الشعب عليها، لم تستطع بالأفعال أو بالأقوال اثبات أنها تحمل قيم «الدولة»، وإلا فكيف تفسر اعتقالها عشرات الآلاف ممن تعرف مسبقاً أنهم لم يؤذوا أحداً ولم يرتكبوا شيئاً، وهل يُصَنّف اعتقالهم بأنه مختلف عن احتجاز رهائن على أيدي أي «عصابة»، وكيف يميّز بين «الدولة» وبين تنظيم ارهابي مثل «داعش» اذا كان المعتقلون/ الرهائن لديهم من المعارضة ويُقتَلون جميعاً بالطريقة نفسها، تحت التعذيب مع التمثيل بجثثهم. وأخيراً أصبحت هذه «الدولة» تسلِّم بطاقة الضحيّة فقط الى عائلته لإبلاغها بأن ابنها قتل فلا يكون لديها ما تدفنه ولا يتحوّل تشييعه مناسبةً اجتماعية.

لا شك في أن إخلاء حمص القديمة هو انتصار للنظام، وإنْ لم يكن بـ «استسلام» جلي للمدافعين عنها، وقد تبيّن أنهم جميعاً حماصنة. وليرَ السوريون والعالم الآن ماذا سيفعل بقلب المدينة الذي صار عيّنة من وحشيةٍ مارستها «الدولة»، وليس «التنظيمات الإرهابية» أو «العصابات المسلحة» التي ادّعت أنها تحاربها. ورغم أن الحروب لا تفسح مجالاً للمفاضلة إلا أن آثار ما خلّفته المعارضة حيث أتيح لها أن تسيطر لا تُقارَن بارتكابات النظام في استهدافه المنهجي لمقوّمات الحياة وشواهد الحضارة. فهل يستطيع حاكم، وهو يتهيّأ لانتخاب نفسه، أن يفخر بالتجويع الذي مارسه، وأن يفخر بما أنزله بواحدة من أقدم حاضرات البشرية، بإنسانها وتاريخها وعمرانها، بتمايزها الثقافي وإشعاعها المعترف به سورياً؟ إذا كان هذا الحاكم من سورية ولا يعني له أهلها ومجتمعها ومدنها شيئاً فلا غرابة اذا كان الغزاة الغرباء، على ضراوتهم، من عهد الرومان الى عهود الآخرين وصولاً الى العثمانيين فالفرنسيين، أكثر احتراماً لمعنى الحضارة، وقد رحلوا جميعاً.

حقق النظام انتصاراً في حمص، لكنه انتصار يخفي وراءه جبالاً من الإخفاقات والهزائم. يشهد ما تبقّى من جدران الأبنية المدمّرة على خمسين عاماً من القمع والقهر والتعذيب والقتل، وعلى ثلاثة أعوام ونيّف مما أصبح موصوفاً في ملفات العالم بأنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت لإخماد احدى أعظم ثورات الشعوب وأكثرها مرارةً وصعوبةً. لو كانت هناك «دولة» بما تعنيه الكلمة لما حصل ما حصل، لكن هناك نظاماً، وهذا الانتصار هو له كطرف مقاتل وليس لـ «الدولة» التي أخضعها لفئة وأهان جيشها ونكّل بشعبها وجعل من اقتصادها نهباً لطغمة الفساد ومِن أمنها مجموعة مارقين لا يتقنون سوى القتل، وانتهى الى رمي سيادتها تحت أقدام الملالي الحاقدين. كل الانتصارات في هذه الحرب لا تستطيع تغطية هذا الفشل الكارثي له ولـ «الدولة» التي صادرها وللشعارات التي ادّعى تمثيلها. ولأنه انتصار للنظام وليس لـ «الدولة» ولا لسورية فإنه لن يستخدمه إلا في عبثه المعتاد، وسيتعامل مع المدينة الخالية كما لو أن لا أهل لها، كغنيمة يتصرّف بها في تخريب جغرافية سورية ويقذفها في مهب رياح التقطيع والتقسيم.

يبدو النظام وإيران متعجّلين لجعل حزيران (يونيو) شهر افتتاح المساومة على سورية. من جهة يعتبر اعادة انتخاب بشار الأسد بداية مرحلة مختلفة في الأزمة تمكّنه من التموضع لتوقّع عروض دولية للحلول «الممكنة» في ضوء موازين القوى. ومن جهة اخرى تحاول ايران استباق العدّ العكسي للتوصّل الى اتفاق نووي نهائي بحلول نهاية الاتفاق المرحلي في العشرين من تموز (يوليو) المقبل، مع احتمال تمديد العمل بهذا الاتفاق اذا لم تتوصّل المفاوضات الى نتيجة في الموعد المحدّد. لكن الأزمة الأوكرانية تحول دون أن تكون روسيا جاهزة للمشاركة في أي مساومة، وليس وارداً عندها أن تكتفي بالمراقبة من بعيد، ولا وارداً عندها وعند القوى الغربية أن تترك سورية لإيران وحدها. وليست تصريحات رحيم صفوي، المستشار العسكري لعلي خامنئي، بأن الحدود الغربية لإيران لم تعد في خورمشهر وإنما بلغت شاطئ الجنوب اللبناني، سوى واحدة من الإيحاءات بأن طهران تحث على طرح المساومة الآن، وخلافاً لما تعتقد فإن الآخرين لا يرون أن الظروف نضجت أو تبلورت.

في الآونة الأخيرة أكثر الإيرانيون من الظهور في الواجهة السورية لإطلاق رسائل مباشرة تدعو الى الحديث معها في الاستحقاقات الثلاثة الراهنة: الرئاسة في لبنان، رئاسة الوزراء وإدارة الحكم في العراق، والبحث عن حل في سورية قبل الشروع في «حرب الاستنزاف». لكن الحديث متّصل ومتواصل بينها وبين الأميركيين بشأن العراق وعلى قاعدة «تفاهم» لم يختلّ إلا أن حساباته تغيّرت، فالمشكلة الواقعة حالياً في «البيت الشيعي» أصبحت تهدد النسيج العراقي كله ولا يمكن طهران أن تحلّها بالمعايير التي تخدم مشروعها فحسب. أما بالنسبة الى لبنان فإن الاختلال واقع لا محالة اذا أرادت ايران اخضاعه لموازين القوى في سورية. وأما سورية نفسها فإن حربها لم تنتهِ بعد، وبالتالي لا مناص لإيران من الذهاب بالمفاوضات النووية الى نهايتها، وبعدها لكل حادث حديث، لكن ايران بعدها ستغدو مجرّدة رسمياً من أي تهديد نووي.

 

 

* صحافي وكاتب لبناني

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textفيصل جعاره

    التحية للأستاذ عبد الوهاب بدرخان ، لم يتطرق المقال ــ السلطة الرابعة ــ إلى ما يجب من الجهة المقابلة : إدارة الثورة ، والمعنيين بالموضوع .. من قريب أو من بعيد : الذي حدث في حمص مؤشـــر واضح جدا ( = خطير جدا ) ، يجـب نقبيـل أرجــل الصامديـن الأبطال درة الرجال وفخرهم الذين خرجوا من حمص . ومن عدة زوايا ، منها أن الوسيط كان يجب أن يكون الهلال / الصليب الأحمر ، منها : الخطاب إلى الإئتلاف وإلى أصدقاء الشعب السوري ، ويجب الإشارة إلى ناحية مهمة جدا : الشعوب العربية ليسوا أصدقاء للشعب السوري ، إنهم هـم الشعب السوري سليل الفاتحين ، وسليل سـيف الله المسلول : سيدنا أبو سليمان خالد بن الوليد .

    الخميس 08 أيار 2014 4:35 ص

  2. Alternate textمحمود شريف

    1) الأجدى أن نقول أن إخلاء حمص القديمة من المسلحين -المتمردين على الدولة - هو انتصار للجميع طالما أن الاتفاق حقن الدماء وأنقذ المدينة من مزيد من الدمار العبثي وهذه مصلحة للوطن والشعب كله وللمسلحين نفسهم وأهلهم الذين تباع كراماتهم خارج البلاد. أما أن ما حصل في سوريا "هو من أعظم ثورات الشعوب وأكثرها مرارة" اترك هذا للتاريخ سيد بدرخان، لا يليق الحكم على" ثورة" إلا بما كانت عليه مقاصدها وأدواتها، ومسانديها، على الأقل أقول أن لاشيء يشي بثورويتها إلا إذا افترضنا مشتقات فرسان تورا بورا من عرب وعجم وكله هجم. لاأوافق النظام بما كان عليه، وأرى أن إصلاحه كان ممكناً جداً وليس بوسع عاقل أن يعلن ثورة بحجم ما تصف لأسباب لاتستحقها. ولكن ياسيدي هل المليارات الخليجية كلها واستنفار وتفرغ "بعض" زعاماتها للدعم المالي والشحن الطائفي المقيت، واستنفار خارجيات ودفاع الغرب وأمريكا كلها من أجل الثورة!!

    الخميس 08 أيار 2014 7:09 ص

  3. Alternate textمحمود شريف

    2) الثورية من هناك.. هل سمعت ورأيت أطروحاتهم وأشكالهم الخارجة من ما قبل التاريخ. بقيت الحديث إيران المتعبة "للثوار" وداعميهم . حسناً سوريا كانت ضد الشاه، رجل أمريكا في المنطقة وفزاعة الخليج العربي حوله، وهي الآن في حلف مع من أسقطه بثورة. والآن حزورة للجادين فقط : لماذ كانت سوريا ضد الشاه وسياسته في المنطقة، ومع الثورة الإيرانية وسياستها في المنطقة؟ ثم عن أي اقليات تتكلم ومن هي الأكثرية. من هي الأقلية والأكثرية التي لها كيانيتها في سوريا، لا أحد يا سيدي إلا في أذهان الغرب ودول بعينها في المنطقة قتلها التخلف والجرب الديني والمذهبي وهي تسخره لسياسات لاتمت بصلة لمصالح شعوبها والعرب عموماً. وإلا لنقم دولنا مذهبياً ولنقل الأمة السنية والشيعية والعلوية والدرزية ... والكاثوليكية والأرثدوكسية والأرمنية إلى ما هنالك من أخواننا الأكراد والتركمان والشركس والشيشان ... والغجر.. هذا لايستقيم ياسادة. نحن في وطن الأجداد جميعاً، والمواطنة هي الأساس بالمعنى العصري المدني، من غير المقبول الحديث في سورية عن دولة إسلامية.

    الخميس 08 أيار 2014 7:12 ص

  4. Alternate textأبو حسام

    ملاحظة: نبل والزهراء من ريف حلب وليس إدلب.

    الخميس 08 أيار 2014 7:21 ص

  5. Alternate textمحمود شريف

    3) من غير المقبول الحديث عن اهل ذمة، هم في الحقيقة اهل البلاد وعربها قبل عرب المسلمين وعربانهم. لذا اعملوا العقل . لندعو إلى المصالحة وإلى الدولة الحاضنة لمواطنيها جميعاً، الحرب عبثية ولم تكن حاجة وطنية سورية، سورية لاتحتاج إلى الإسلام القادم من وراء الحدود ولا إلى دعاته ولا إلى المفتين *****، الإسلام في سورية هو إسلاماً صحيحاً لا يحمله مرضى ومهووسين تركوا عقولهم في الماضي السحيق ويفكرون بحاضرهم بغرائزهم المذهبية..يبقى ان لسوريا حلفاءها وشعبها..

    الخميس 08 أيار 2014 7:21 ص

  6. Alternate textسعد الهاجري

    ماذا تتوقع من عائله طلب جدها من المستعمر البقاء و الأب باع الجولان و الابن باع اسكندرون ومع ذلك تدعي المقاومه

    الخميس 08 أيار 2014 7:42 ص

  7. Alternate textفاديا

    لقد اصبت عين الحقيقه فالذي يحكم في سوريا هم الايرانيون. اليس الحرس الخاص للرئيس الاسد هم ايرانيون ؟

    الخميس 08 أيار 2014 10:07 ص

  8. Alternate textعامر عبدالله

    من يدافع عن النظام الفاشي قاتل النساء والأطفال في سوريا بعد كل ما حصل يتساءل المرء : ( هل في وجهه قطرة ماء ولا أقول حياء ) ؟!!.. والله ان الانسان ليخجل ان يدافع عن انظمه مثل تونس ومصر واليمن وهم لم يفعلوا معشار معشار ما فعله هذا المجرم الذي يتبجح هو ومناصروه المجرمون كل يوم أنهم دحروا ثورة الشعب السوري المقهور .. فما بالك بالدفاع عن هذا المجرم الذي تتبرأ من أفعاله الأرض والسماء ... ولكن قيل قديما : ( اذا لم تستح فاصنع ما شئت ) !!...

    الخميس 08 أيار 2014 10:10 ص

  9. Alternate textمامون علي أديب-كندا

    من المهم مراقبة ما سيجري في حمص القديمة في الايام القادمة. هل ستدخلها جماعات غير منضبطة غايتها السرقة والحرق ام ستدخلها قوات منضبطة تنشر السلم والامن وتهيء لاعادة البناء

    الخميس 08 أيار 2014 3:31 م

  10. Alternate textالاسم

    راااائع

    الجمعة 09 أيار 2014 1:13 ص

  11. Displaying results 1-10 (of 12)
      < 1 2  > 
الأحرف المتبقية: 1000
شروط التعليق
1. يلتزم زوار alhayat.com بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين. ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2. يحق للـ alhayat.com ان ينقّح تعليق الزائر بما يتناسب مع لياقات التفاعل وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن يحجبه إذا لم يكن مناسباً.
3. يحق للـ alhayat.com إعادة نشر التعليق المتّزن أو المثير للنقاش أو الجدير بالتوسيع، في القسم الذي تراه إدارة الموقع مناسباً، ولا تتحمل هذه الإدارة أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.

مقالاتالأكثر قراءة