|   

«الضحك» لبرغسون: نشاط إنسانيّ ذو وظائف محدّدة

Print A+ a-
الخميس، ١٠ تشرين الأول ٢٠١٣ (١٦:٣٣ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ١٠ تشرين الأول ٢٠١٣ (١٦:٤٣ - بتوقيت غرينتش) ابراهيم العريس

لم يحبّ الفكر التقدمي في القرن العشرين، الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون على الإطلاق. فبرغسون في نظر هذا الفكر فيلسوف مثاليّ جعل «الديمومة الخالصة، أي اللامادية، أصل الأشياء وأساسها»، مؤكداً انه لا يمكن «احراز المعرفة بالديمومة، بل بالحدس مفهوماً على انه ادراك صوفي او معرفة صوفية»، فيها «يتطابق فعل المعرفة مع الفعل الذي يخلق الواقع». ويأخذ الفكر التقدمي على برغسون خصوصاً كونه وضع مقابل «الجدل» الذي، لو اتبعه لكان اوجد مبرراً هيغلياً لمثاليته، مذهباً كاملاً في «التطور الخلاق» عبّر عنه في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه. فهذا التطور يقوم لدى برغسون على مفاهيم مستمدة من المثالية البيولوجية، ما اوصل هذا المفكر الى ان يبرر في فكره «قهر طبقة لطبقة في المجتمع، باعتبار ذلك حالاً طبيعية» معتبراً الحرب نفسها «قانوناً للطبيعة» حتميّاً. وهكذا، انطلاقاً من هذا التفسير لفكر برغسون، اعتبر الرجل رجعياً واعتبرت فلسفته «تعبيراً حياً عن اللاعقلانية» (الموسوعة الفلسفية السوفياتية). وعلى رغم هذا فإن المفكر التقدمي، ناهيك بالفكر غير التقدمي المتسامح عادة مع برغسون، لا يفوته ان يقرأ واحداً من كتب برغسون ويناصره، باعتباره فريداً من نوعه في عالم الكتابة الفلسفية. وهذا الكتاب هو «الضحك: محاولة في دلالة الهزلي»، الذي يعتبر اشهر كتب برغسون على الاطلاق، ويقرأه عادة حتى اولئك الذين لا يعرفون شيئاً عن فلسفة هذا المفكر، او حتى يمكن لهم ان يدركوا ان «الضحك» ينتمي اصلاً الى الكتب الفلسفية.

> كتاب «الضحك» وضعه هنري برغسون ونشره في العام 1911، اي حين كان في الثانية والخمسين من عمره، وبدأ يشغل كرسي الفلسفة في «الكوليج دي فرانس» والعام نفسه الذي كتب فيه واحداً من نصوصه الأكثر أهمية «الحدس الفلسفي» الذي قرأ ملخصاً له في مؤتمر للفلسفة عقد في مدينة بولونيا الايطالية، وأثار جدلاً كبيراً. والحال ان الباحثين اعتبروا، دائماً ان كتابي «الضحك» و «الحدس» مترابطان، بل ان ثانيهما هو المقدمة النظرية والفلسفية المنطقية للأول. ولا بد من ان نشير هنا الى ان القراء عموماً - من الذين عرفوا «الضحك» - لم يبالوا ابداً بذلك «التقديم الفلسفي» له، فنُظرَ الى «الضحك» على انه كتاب مستقل، كانت اهميته في كونه كتب اخيراً، ليحلل ظاهرة - ونشاطاً انسانياً - عمرها من عمر الانسان، ترافقه في حياته اليومية، وفي حياته الذهنية، ولطالما عبّرت عنها الآداب والفنون، من دون ان ينحو الفكر الى تحليلها وتحليل أوالياتها. وهنا لا بد من ان نشير الى ان كتابة «الضحك» ترتبط، في زمنها، بالولادة الحقيقية للتحليل النفسي، على يد فرويد وصحبه، وفي السياق نفسه الذي جعل فرويد يكتب «تفسير الاحلام». كان الشعار: آن للانسان اخيراً ان يفهم كل ظواهر حياته، الخفية والواضحة وألا يترك ظاهرة للغيب». ومع هذا لا بد من ان نلاحظ منذ الآن كيف ان كتاب برغسون «العقلاني» هذا، نُسب دائماً الى الفلسفة الميتافيزيقية، واعتبر من أعمالها الاساسية. وتلك «مفارقة» من الصعب هنا زعم امكان حلها. المهم في الأمر هو التوقف عند هذا العمل الطريف والفريد، وعند كاتبه.

> بالنسبة الى الباحثين في حياة برغسون وعمله، ينحو هذا الكتاب ومنذ البداية الى ان يقول لنا ان «الضحك الذي يستثيره على الدوام، أمر انساني ما، له بالتأكيد وظيفة اجتماعية»، فبرغسون يقول لنا هنا ان «المرء لا يضحك في حقيقة الأمر الا بالتواطؤ مع الآخر»، و «الضحك انما هو رد فعل ضد كل ما يبدو لنا، في الحياة، ميكانيكياً (آلياً): يحدث الضحك لدينا في كل مرة نلاحظ فيها في كلام او تصرفات شخص ما، افراطاً في النزعة الميكانيكية». ونحن، في رأي برغسون، نضحك ازاء العيوب كما ازاء الفضائل، في كل مرة تبدو لنا هذه او تلك، لدى الذين يمتلكونها، باعتبارها أوالية (ميكانيزم) تحكمهم». ومن هنا يستنتج برغسون أن «الضحك نوع من السلوك الاجتماعي. بواسطته ينبه المجتمع مشيراً الى الحس السليم، كل اولئك الذين ينحرفون عن النشاط الاجتماعي المستقيم والحقيقي... كل اولئك المنحرفين او الذين يريدون ان يظهروا غريبي الاطوار، اي كل تلك العناصر التي تسعى، بوعي او من دون وعي، الى تفتيت التماسك الاجتماعي ونسيجه».

> وللوصول الى عقلنة نظريته يلجأ برغسون، الى تأسيس هذه النظرية على تحليل رهيف لمختلف فئات الهزلي: الاشكال المضحكة، الحركات المضحكة، المواقف والكلمات، وأخيراً، السمات الشخصية المضحكة (الكاراكتيرات). وليس من قبيل الصدفة ان يخصص برغسون، لهذه الفئة الاخيرة، كامل القسم الثالث من كتابه، حيث يعطي امثلة فائقة الأهمية مستقاة خصوصاً من فن المسرح، الذي هو - بالنسبة اليه، وفي الوقت نفسه - المكان الذي يظهر فيه الهزلي شكلاً من اشكال الفن، ووظيفة اجتماعية. بيد ان برغسون يلاحظ هنا، وكما يشرح لنا مفسّر أعماله جان دوفال، ان الهزلي، لا ينتمي كلياً لا الى الفن ولا الى الحياة. فالفن، في رأي برغسون وكما يوضح دوفال، ليس سوى رؤية، اكثر اكتمالاً ومباشرة، للطبيعة والروح، يقتصر امتلاكها على عدد ضئيل من الافراد. والفن يتوجه دائماً نحو الفردي لمجرد انه يعرف كيف يتفادى المقولات العامة التي ترتبط بالفعل الاعتيادي والذرائعي للبشر. اما الهزلي، فإنه في المقابل وعلى العكس من ذلك يتوجه الى ما هو عمومي. وعلى العكس من الدراما (المأساة) التي تدخل الى اعمق اعماق ظلمات ارواحنا، عبر تحليل ما نحن كائنوه حقاً، تأتي الكوميديا (الهزل) لكي تنتزع من داخل الانسان، انماط سلوك وتفكير عامة تدفعنا الى الضحك. اذ تعرض امامنا مشهد ميكانيكية هذه الانماط وضروب التفكير مذكرة أيانا (وذلكم هو العمل الاجتماعي للكوميديا وفعلها المباشر) بضرورة ان نراقب انفسنا، معززة - بصورة عامة - من فائدتنا الذرائعية للمجتمع. والحال انه انطلاقاً من هذا التحليل الفريد والخلاق نظر دائماً الى كتاب «الضحك» على انه افضل كتاب لبرغسون، بل افضل ما اطلعته تلك المرحلة المفصلية التي ألف فيها، من دراسات فلسفية انسانية. وفي هذا المجال يبدو محقاً ذلك الباحث الذي قال عن «الضحك» ان فائدته «مزدوجة، لأنها جمالية وميتافيزيقية في الوقت نفسه، لأنه يتعمق في فكرة دفق الحياة الحقيقي الذي يفلت من براثن المعرفة المفهومية». وهذا التعمق هو الذي مهد لظهور كتاب برغسون، الأشهر فلسفياً، وخارج نطاق الحس الشعبي العام: «التطور الخلاق».

> عبر كل هذا يحتل هنري برغسون، في تاريخ الفلسفة الفرنسية عند بداية القرن العشرين، مكانة مميزة وربما تكون فريدة. ففي ذلك الحين كانت النزعة العلمية واحدة من التيارات الفكرية الأكثر رواجاً ونفوذاً، معتبرة العلوم الصحيحة الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من معرفة طبيعة الاشياء معرفة يقينية، جاء برغسون ليعيد الى الفلسفة الميتافيزيقية مكانتها باعتبارها «معرفة عليا وسامية بكل ما هو حقيقي وواقعي». ولقد اهتم برغسون طوال حياته، وعلى وجه الخصوص بالرصد الداخلي (الجواني) للطريقة التي بها تطورت تلك الفلسفة الميتافيزيقية، مؤكداً ان «الحدس» الذي هو واحد من اعمدتها الاساسية، يكتشف، ضمن اطار هذه الفلسفة، ليس فقط افكاراً او مفاهيم، بل ايضاً، دفعاً دائماً متواصلاً، «يمكن مقارنته بلحن موسيقي داخلي يتدفق بعذوبة». ويرى الباحثون ان هذا الكشف عن «الديمومة الداخلية لأنانا والتي تشكل الزمن الحقيقي الذي يعيشه الانسان، هو الذي يقف في خلفية فلسفة برغسون ويبررها.

> ولد هنري برغسون العام 1859 في بارس، درس في ثانوية كوندورسيه، ثم انضم الى دار المعلمين متخصصاً في الفلسفة، واتجه بعد ذلك الى التعليم. بدأ ينشر كتبه منذ العام 1889، فنشر تباعاً «دراسة حول معطيات الوعي المباشرة» و «التطور الخلاق» و «منبعا الدين والاخلاق». حين صار محاضراً في «الكوليج دي فرانس» (1914) اجتذب جمهوراً عريضاً بفصاحته. بعد ذلك عُيّن رئيساً للجنة التعاون الثقافي التابعة لعصبة الأمم. ونال جائزة نوبل للآداب في العام 1928. وعند نهاية حياته تحول من اليهودية الى الكاثوليكية، لكنه اوصى بألا يعلن هذا إلا بعد موته الذي كان يوم 4 كانون الثاني (يناير) 1941.

 

alariss@alhayat.com

 

 

Tags not available