|   

سلفيو الأردن شريان حياة «جبهة النصرة» في جنوب سورية

Print A+ a-
السبت، ٢٠ نيسان ٢٠١٣ (١٦:٢٧ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٠ نيسان ٢٠١٣ (١٦:٤١ - بتوقيت غرينتش) عمان- تامر الصمادي

يتسلل مقاتلون إسلاميون يتبعون التيار السلفي الجهادي في الأردن إلى مدينة درعا، كبرى مدن الجنوب السوري، تحت عتمة الليل، مجتازين كمائن أقامها الجيش الأردني على طول الحدود مع جارته الشمالية، والتي تقدر بنحو 350 كيلومتراً.

يسلك هؤلاء طرقاً وعرة، وحقول ألغام زرعها النظام السوري، على أمل اللحاق بقواعد جبهة النصرة، التي أدرجتها الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية، معتمدين على عصابات تنشط بتهريب السلاح والبشر إلى بؤر القتال الساخنة، في مقابل مبالغ تتراوح بين 600 إلى 900 دولار، على الشخص الواحد، ناهيك عن الرسوم المفروضة على قطع السلاح، التي تتجاوز 400 دولار على القطعة الواحدة.

ويعد الثلاثيني «أبو قدامة»، وهو اسم مستعار اختاره للتعريف بنفسه، أحد أبرز أعضاء التيار، الذين تمكنوا من خرق الحدود المحصنة، واللحاق بإحدى كتائب الجبهة الناشطة داخل أحياء درعا البلد، قبل تعرضه لإصابة خطرة ألزمته العودة إلى الأردن، فغدا مطلوباً لدى جهاز المخابرات العامة.

يقول: «أمضيت أسابيع في صفوف المجاهدين... كنت برفقة المئات من الأردن والخليج وكذلك العراق». وأضاف، وقد تركت الحرب ندوباً كبيرة على وجهه وجسده: «لقد فقدت إحدى ساقي، بسبب إصابتي من راجمة صواريخ، ولا يزال جسدي يحتفظ بشظايا عجز الأطباء عن إخراجها».

وأردف: «أصر المجاهدون على أن أعود إلى الأردن لتلقي العلاج، لكنني تعهدت العودة مرة أخرى... وكما دخلت إلى سورية بواسطة المهربين خرجت بمساندتهم أيضاً، تحت ستار الليل، عبر خطوط سرية، خصصت لتهريب العتاد والمتطوعين».

وفي قلب مدينة الزرقاء التي تبعد 25 كيلومتراً عن عمان، وتعد معقلاً لنفوذ السلفية الجهادية، التقت «الحياة» القيادي البارز لدى التيار منيف سمارة، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الطب العام، والمتزوج من مسلمة فرنسية دأبت طيلة الفترة الفائتة على ترجمة مؤلفات يصدرها الأب الروحي لمقاتلي الأردن عصام البرقاوي، المعروف بـ «أبو محمد المقدسي»، الذي يقضي حكماً بالسجن، على خلفية اتهامه بالإرهاب.

تحدث سمارة وهو صاحب لحية كثة تدلت على ثوب أفغاني داكن اللون، عن أبرز محطات عبور السلفيين الأردنيين الأراضي السورية، مؤكداً أن هؤلاء يشكلون بعددهم وخبراتهم القتالية المتراكمة، شرياناً مغذياً لأعضاء النصرة، ولبعض الكيانات المقاتلة، ذات الصبغة الإسلامية.

وقال خلال المقابلة التي أجريت في منزله الكبير، والمشيّد على ربوة ابتعدت من ضجيج المدينة التي تغص بمخيمات كئيبة يقطنها فلسطينيون فقراء: «يحتاج النزول إلى سورية خططاً أمنية محكمة، وتعاوناً مكثفاً مع مهربين كانوا حتى أمس القريب (قبل الثورة) ينشطون بتهريب الدخان السوري إلى المدن والقرى الأردنية المتاخمة ... إنهم يتقاضون على الشخص الواحد مبالغ باهظة تتراوح بين 400 إلى 500 دينار أردني».

وأضاف: «كثيرون من السلفيين وغالبيتهم فقراء باعوا بيوتهم، وسياراتهم، وحتى اسطوانات الغاز، ليتمكنوا من دفع تكاليف العبور وشراء قطع السلاح الخفيفة».

ويشهد سوق السلاح المهرب إلى سورية، الذي يبتاعه السلفيون داخل بؤر محددة جنوبي عمان، لا سيما في منطقتي سحاب واللبن، ارتفاعاً غير مسبوق في أسعاره، وفق عناصر جهادية تحدثت إليها «الحياة».

ووفق هذه العناصر التي اشترطت عدم ذكرها خشية الملاحقات الأمنية، وصل سعر «الكلاشنيكوف» الذي بات سلعة نادرة هذه الأيام الى 1300 دينار، بعد أن كان بـ600 دينار بداية الأزمة السورية.

وتجاوز سعر الرصاصة الواحدة دينارين ونصف الدينار، بعد أن كانت بدينار واحد قبل الأزمة.

ووفق سمارة، «يعبر السلفيون مدينة درعا الحدودية ليلاً، كإجراء أمني، يتخلله المسير بين الجبال والأودية السحيقة، والتنقل بين قرية وأخرى، قبل أن يجري التجمع في أماكن محددة مسبقاً، لغايات التوزيع على الوحدات العسكرية، وفق الحاجة».

يقول: «المجاهدون في سورية يحتاجون الى مقاتلين جيدين، وهي ميزة تتوافر في أعضاء السلفية الأردنية».

ويضيف أن 500 أردني على الأقل يحاربون الآن القوات السورية، وأن نحو 40 منهم قتلوا، وأن 7 قضوا بعمليات «استشهادية».

وتشير أرقام أكدتها مصادر أمنية وسلفية لـ «الحياة»، الى أن عدد الجهاديين المقيمين داخل الأردن يصل إلى نحو 5 آلاف، يعملون بالخفاء، وينتظرون فرصة اللحاق بـ «إخوانهم» المقاتلين، فيما تراقبهم السلطة عن كثب.

ويشرح سمارة أن معظم جهاديي الأردن المرابطين على الجبهة السورية، وغالبيتهم من الزرقاء، والرصيفة، تليها عمان، ثم مدن الجنوب والوسط، فالشمال، يعكفون على قيادة ألوية عسكرية نافذة داخل النصرة، حيث إن كثيراً منهم سبق أن خاض معارك في أفغانستان، والعراق، والشيشان، واليمن.

ويعد إياد الطوباسي، المعروف بـ «أبو جليبيب»، من أبرز القادة الأردنيين لدى الجبهة، وهو صهر أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة السابق في بلاد الرافدين.

ولد «أبو جليبيب» البالغ من العمر 33 سنة في حي النزهة الفقير وسط الزرقاء، وقاتل إلى جانب الزرقاوي في أفغانستان والعراق، وهو اليوم يشغل موقع أمير جبهة النصرة في الشام ودرعا.

وكان تعرض قبل 4 شهور لإصابة بالغة نقل على أثرها إلى تركيا لتلقي العلاج، قبل أن يعود مرة أخرى لاستئناف القتال.

أما مصطفى عبداللطيف المعروف بـ «أبو أنس الصحابة»، فهو أردني آخر من قيادات النصرة، يتحدر من لواء الرصيفة (ذي الغالبية الفلسطينية) الملاصق للزرقاء، ويعتبر القائد العسكري الأول للمنطقة الجنوبية.

يقول سمارة إن «الشريان المغذي للنصرة بعد السوريين، هم الأردنيون يليهم الخليجيون، ثم العراقيون والمغاربة».

ويقدر خبير الجماعات السلفية حسن أبو هنية عدد السوريين في صفوف الجبهة اليوم بنحو 1500 مقاتل، من مجموع مقاتليها البالغ نحو 4 آلاف.

ويؤكد أن سورية باتت أكبر منطقة استقطاب للسلفيين الجهاديين بعد أفغانستان، مشيراً إلى آلاف المقاتلين العرب والمتطوعين الأوروبيين والقوقازيين.

ولا يستبعد أبو هنية وجود رغبة لدى دول عربية بالتخلص من الجهاديين عبر «محرقة سورية»، لكنه يشير إلى قلق دول عدة من أن يمثل عبور هؤلاء نحو الجارة الشمالية بداية لتكرار سيناريو الأفغان العرب.

ويؤكد قائد ميداني لدى الجيش السوري الحر في درعا، مستوى التنظيم العالي والقوة على الأرض لمقاتلي النصرة، قائلاً إنهم «الأفضل تسليحاً على مستوى الجنوب السوري».

ويقول زعيم السلفية الجهادية في جنوب الأردن محمد الشلبي، المعروف بـ «أبو سياف»، إن «الحكومة الأردنية تحاول منع مقاتلي التيار من عبور الحدود للانضمام ضد قوات (الرئيس) بشار الأسد».

ويضيف «أبو سياف» المقيم في مدينة معان الصحراوية على بعد 160 كيلومتراً إلى الجنوب من عمان، (ذات غالبية شرق أردنية): «جلسنا مع قادة الأجهزة الأمنية، حاورناهم، قلنا لهم ما المانع في أن تتركونا نذهب إلى سورية».

وتابع: «إنهم يخشون أن يرجع مقاتلونا كما رجع الأفغان العرب، ويعلنوا الجهاد والقتال داخل مناطقهم، لكنه خيار غير وارد... ثمة ساحات قتال المجاهدون أولى بها».

واعتقل الأردن نحو 100 جهادي خلال الأيام القليلة الفائتة، قبل وصولهم سورية.

ويقول مسؤولون أردنيون إن الجيش وقوات الأمن يبذلان قصارى جهدهما للسيطرة على الحدود بين البلدين التي يسهل اختراقها.

ومبعث القلق الأكبر للأردن هو تصاعد نفوذ المقاتلين المتشددين في صفوف المعارضة السورية.

يقول ماهر أبو طير، وهو معلق سياسي محيط بدوائر القرار، إن لدى عمان «خشية متصاعدة من تشكل إمارة جهادية على خاصرتها الحدودية مع سورية، وما قد يترتب عليها من اشتباك محتمل واختراق للأرض الأردنية، التي سبق أن اكتوت بنار القاعدة والجماعات المتشددة».

 

توزيع أولي للمقاتلين الأجانب في سورية

تعتمد الكتائب الإسلامية الجهادية (جبهة النصرة - أحرار الشام - مجلس شورى المجاهدين - أنصار الشريعة - كتائب البتار - لواء الفجر) على العناصر الأجنبية في هيكلها سواء مقاتلين أو شرعيين ورجال دين أو خبراء وتقنيين ومنظرين سياسيين. وينقسم الوجود الأجنبي في هذه المجموعة إلى قسمين:

القسم العربي وهو نوعان من المقاتلين العرب: خليجي ومغربي. قسم قاتل في مناطق مثل العراق وأفغانستان والشيشان وليبيا، وقسم كانت التجربة السورية بداية له.

ويُعتمد على القسم الأول كون أصحابه يملكون خبرة واسعة وتجارب يعتمد عليها في القيادة الشرعية والعسكرية. القسم الثاني هو الأكثر ميدانية وينشط في المعارك والجبهات الساخنة بعد أن يكون أفراده التحقوا بمعسكرات التدريب على الحدود التركية أو في المناطق الداخلية «المحررة».

كما يعتمد على القسم الثاني المغمور نوعاً ما في العمليات الاستشهادية وغالبيتهم من المغرب العربي والسعودية والكويت والأردن وليبيا وتونس التي تدفق منها الكثير من أنصار التيار السلفي الجهادي.

أما القسم الأجنبي فهو الأقل ظهوراً للعامة ولكن وجوده ليس قليلاً داخل تلك التيارات وخصوصاً جبهة النصرة في الوقت الحالي، فثمة مقاتل آتٍ من فرنسا وعمل لفترة طويلة مدرباً عسكرياً في كتائب أحرار الشام في ريف إدلب لكنه غادر بعد أن قام بتدريب عدد من المقاتلين.

المقاتلون من مناطق القوقاز لهم النصيب الأكبر من الحظوة ولهم سمعة قوية في العمل العسكري. الحديث عن عملياتهم يحتل حيزاً من حديث المقاتلين الإسلاميين. ولكن القوقازيين أقل الناس ظهوراً، على الأقل في منطقة ريف إدلب الشرقي. ويكثر وجودهم في منطقة ريف حلب الغربي، أي في منطقة أعزاز والمناطق المجاورة، وفي داخل حلب حيث يبرع هؤلاء المقاتلون في حرب الشوارع والقنص. مقاتلون من أوكرانيا ومن البوسنة ومقاتلون وأطباء من فرنسا وبريطانيا وهولندا من أصول مغاربية.



Tags not available