|   

«نشأة متحف»... الفن «يحاور» الثقافة والتاريخ

Print A+ a-
السبت، ٢٠ نيسان ٢٠١٣ (١٤:٤٩ - بتوقيت غرينتش)
السبت، ٢٠ نيسان ٢٠١٣ (١٥:٢٣ - بتوقيت غرينتش) أبو ظبي - محمد غندور

بات في إمكان الجمهور تكوين صورة مصغرة عن متحف اللوفر أبوظبي، والتعرف على مفهومه السردي، وما هي أبرز مقتنياته، إذ يفتتح صباح الغد معرض «نشأة متحف» في جزيرة السعديات بأبوظبي.

ويضم المتحف 130 عملاً فنياً، منها قطع أثرية من مصر وتركيا واليونان ومالي والهند وإيران، تمثل حضارات تركت بصماتها في الثقافة الإنسانية. ويستكشف الزوار الملامح المشتركة للتجربة الإنسانية الواحدة التي تتخطى حدود الجغرافيا والوطن والتاريخ.

ويختزل كل عمل فني وقطعة أثرية لحظة في مسيرة البشرية، مثل الصورة الفوتوغرافية «عيوشة» التي تعود إلى القاهرة عام 1843، ويعتقد أنها الأقدم لامرأة محجّبة، وهي للمصوِّر الفرنسي جوزيف فيليبيرت غيرو دو برونجي (1804-1892).

وهناك قطعة من البلاط مزخرفة بنقوش الأرابيسك من الامبراطورية العثمانية (عام 1570 تقريباً)، ولوحة على الحرير من اليابان (أواخر القرن السابع عشر)، وصفحات من القرآن الكريم يعتقد أنها تعود إلى سورية في أواخر القرن الثالث عشر.

اللافت في المعرض المستمر حتى 22 تموز (يوليو) المقبل، حرص القيمين على تنوع الأعمال الفنية فيه، والابتعاد عن الخطوط الحمر وعدم التقيد بمحظورات ثقافية في بعض اللوحات، وهي نقطة إيجابية تحتسب لأبوظبي، في ظل وجود مدن عربية تمنع أعمالاً فنية، لما يتضمنه محتواها من نقد أو عري...

ويضم المعرض أعمالاً من الإرث الإسلامي والمسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي، إضافة إلى بعض مشاهد العري كما في لوحه «فينوس» للوي جان فرانسوا لاغروني من القرن الثامن عشر.

وبعد جولة بسيطة في المعرض، يلاحظ الزائر أن اللوفر أبوظبي (يفتتح عام 2015)، لن يكون نسخة طبق الأصل عن المتحف الباريسي. فالشكل الخارجي سيكون مختلفاً ومستوحى من الطبيعة العربية، وطريقة تقسيم المقتنيات وعرضها ستكون مختلفة أيضاً. وستعرض بعض الأعمال التي تملكها حكومة أبوظبي، أمام الزوار للمرة الأولى، بعد شرائها من مجموعات فنية خاصة، لاسيما من عائلة جوزيفوفيتس الثرية المقيمة في سويسرا، بفضل «شبكة العلاقات» التي تملكها وكالة المتاحف الفرنسية التي تشرف على 12 متحفاً في فرنسا وعلى رأسها اللوفر.

يجد المتجول بين أروقة «نشأة متحف» نفسه أمام تجربة حوار ثرية بين أعمال فنية لأجيال متباعدة من المبدعين، فهناك الرسام الفرنسي بول غوغان (1848- 1903) ومعه البلجيكي رينيه ماغريت (1898- 1967)، والإيطالي جوفاني بيليني (1430 - 1516) ومعه الفرنسي إدوار مانيه (1832- 1883). ومن المعاصرين هناك النحات الأميركي ألكسندر كالدير والرسام السويسري الألماني بول كلي، والرسام الأميركي ساي تومبلي.

واختيرت الأعمال الفنية والأثرية بعد دراسة مستفيضة، لتقدم المقتنيات الدائمة للمتحف، رؤية سردية لتاريخ الفن عبر العصور، بما يمنح المتحف هويته الخاصة بين متاحف العالم.

ومن الأعمال البارزة في المتحف، تمثال «أميرة من باختريا» وهو من آسيا الوسطى ويعود إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد. ويعد التمثال من أجمل نماذج المجموعة التي يطلق عليها اسم «أميرات من باختريا»، وعثر على هذه الإبداعات الأصلية في المجمّع الأثري الباختري - المارجياني (تركمانستان وأوزبكستان وأفغانستان) الذي يعرف أيضاً بحضارة الأكسوس (Oxus).

وهناك سوار مزين بأسدين (إيران- القرن السابع قبل الميلاد). ويعتبر السوار من أجمل القطع التي عثر عليها في «كنز زيويه» الذي اكتشفه مزارعون، عام 1947، في إقليم أذربيجان الإيرانية.

 

حوار الثقافات

من الأقسام التي تعبر عن مفهوم المزج الفني والإلهام المتبادل بين الثقافات في المعرض، قسم «حوار الثقافات» الذي يعتمد ثلاثة محاور: الأول «اكتشافات وأحلام» وهو يبرز المواجهات بين الحضارات ونقاط التلاقي التي قامت في ما بينها، سواء كانت حقائق تاريخية (لوحة السفير للفنان ليوتار - وصول الإنكليز إلى الهند)، أو التخيلية والحالمة، كالصورة التخيلية الساحرة التي تكونت لدى الأوروبيين عن الشرق الأقصى في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ومن بينها الخزفيات الصينية والتطريز والرسم.

ويظهر المحور الثاني «الأشكال المسافرة»، كيفية انتقال الأشياء ومعها مفاهيم الإلهام والأشكال والأفكار والزخارف التي تصبح بدورها وحياً للإبداعات الأصلية الجديدة التي تشكل مزيجاً فنياً غنياً يتجاوز الحدود والجغرافيا.

ويجسد المحور الثالث «الزخرفة والحداثة» مثالاً على غنى هذا التحرك للأشياء والأفكار، ويظهر كيف تسافر الأفكار واستخدام الزخرفة والأشكال لإثراء المفردات الفنية والزخرفية الجديدة التي تشكل إشارة واضحة للمساهمة المهمة والكبيرة للأعمال الفنية والإسلامية الأفريقية واليابانية.

وإلى جانب ذلك، ثمة أقسام أخرى في المعرض هي «العمل التشكيلي» الذي يعرض مفهوم تطور العمل التشكيلي باعتباره بصمة الإنسان في الحياة منذ فجر الحضارات. ويضم «التمثال القبرصي» أو النموذج الفني الفريد لامرأة باختارية واقفة، ثم ينتقل إلى التعبير الفني في العصور الحديثة من خلال لوحة «قياسات بشرية/ أنثروبومتريا المزدوجة» للفنان إيف كلايف.

في حين يظهر قسم «النص المقدس» الحوار بين الأديان، ويلقي الضوء على الطقوس والشعائر الدينية ودلالاتها المختلفة، مع احترام فردية كل دين على حدة والخصوصية التي يمتاز بها كل دين.

وتقدم قاعة «العصور القديمة» أمثلة على الروابط التي قامت بين المناطق السياسية والفنية الرئيسة، باختيار رمز معيّن كالمزهرية التي تلقي الضوء على التنوعات الفنية أو الوظيفية التي تميز بها العصر اليوناني المينوسي القديم، واليوناني الكلاسيكي، والصين القديمة ومصر الرومانية.

ويقدم قسم «الصورة الشرقية» لمحة عامة عن الصور الفنية الشرقية، وتأثيرها في الأعمال الفنية الغربية في القرن التاسع عشر. وتظهر الأعمال المعروضة بدءاً من الرسم الهندي المغولي الراجبوتي وحتى الزن الياباني، التنوع الغني والإبداع في بناء صورة الشرق.

في المقابل يضم قسم «النظرة الغربية»20 لوحة زيتية مميزة تمكن الزائر من فهم العوامل الفردية في التمثيل التصويري للعالم الغربي، من خلال قسمين: «تصوير العالم» و«الرؤية الذاتية».

ويوضح القسم الأخير في المعرض كيف ساهمت التأثيرات المتبادلة بين الشـرق والـغرب فـي تطور أشكال جديدة للتعبير، ويضم سلسلة تتكون من تسـع لوحـات زيتـية كبيرة الحجم للفنان سي تومبلي.

 

«صورة امرأة»... للمرة الأولى

تعتبر لوحة «صورة امرأة» للفنان العالمي بابلو بيكاسو (1881 - 1973)، من أهم الأعمال التي عرضت في «نشأة متحف»، لأنها المرة الأولى التي تقدم للجمهور في العالم. وباتت من أهم المقتنيات الفنية الدائمة في مجموعة «اللوفر أبو ظبي».

ساهم بيكاسو الذي يعد من أشهر فناني القرن العشرين، وينسب إليه الفضل في تأسيس الحركة التكعيبية، إلى حد كبير في تغيير الفن الحديث بأسلوبه الفريد الذي برع من خلاله بمزج الفن التمثيلي وتجربة التقنيات والمواد مستفيداً من كل ما تقع عليه عيناه.

وتُعَدُّ لوحة «صورة امرأة» من الأعمال الفريدة التي لم يرد ذكرها إلا في كتاب «حياة بيكاسو: سنوات النصر 1917 - 1932» للمؤرخ البريطاني جون ريتشاردسون عام 2007.

ولإبداع هذه اللوحة، استخدم الفنان الإسباني نوعاً من فنون الكولاج (الصور الملصقة). ووفقاً لريتشاردسون، تجسد اللوحة شخصية اجتماعية معروفة هي نتالي بالي، حفيدة قيصر روسيا ألكسندر الثاني وزوجة مصمم الأزياء لوسين ليلونغ.

وكانت نتالي إحدى عارضات الأزياء الشهيرات في زمنها وواحدة ممن ارتبطن بصلات وثيقة مع النخبة في مجتمع الأزياء الراقي في باريس. ويُعتقد أن بيكاسو استخدم صوراً فوتوغرافية لإبداع هذا العمل الفني، تماماً مثلما فعل في عدد من الأعمال الأخرى، لتجسيد وجهها البيضوي، وملامحها الدقيقة، وهيئتها النحيلة.

أظهر بيكاسو شغفه ومهارته في الرسم منذ سن مبكرة، وكانت أمه تقول إن أولى الكلمات التي نطقها كانت تعني «قلم رصاص». في السابعة من عمره تلقى على يد والده تدريباً في الرسم والتصوير الزيتي، وكان رويز فناناً تقليدياً وأستاذاً أكاديمياً ما جعله يعتقد أن التدريب المثالي يعتمد على النسخ المنضبط، ورسم أجساد بشرية من نماذج حية.

وفى إحدى المرات، أتم بيكاسو وهو في سن الثالثة عشرة رسم أحد الاسكيتشات التي لم يكن والده قد انتهى منها بعد وقد كانت اللوحة لحمامة. ولدى تفحص الأب تقنية ابنه في الرسم شعر بأنه قد تفوق عليه، وأعلن آنذاك التخلي عن الرسم.

وتبدو واضحةً في «صورة امرأة»، تقنية بيكاسو الذي حاول إبراز جمال نتالي على طريقته الخاصة، عبر تركيزه على العينين والشفتين، ووضعية الجلوس، وحركة الأصابع، والرداء الأحمر الأنيق.

أسندت مهمة التنسيق الفني للمعرض، إلى لورانس دي كار، مديرة التنسيق الفني في وكالة متاحف فرنسا، يدعمها في ذلك أعضاء فريق «هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة» ووكالة متاحف فرنسا الذين يملكون مجموعة من الخبرات المتنوعة. كما أسندت مهمة التصميم المتحفي للمعماري جان - فرنسوا بودين. وتتواصل أعمال تشييد الصرح المميز الذي يشرف على تصميمه المعماري الفرنسي العالمي جان نوفيل، في جزيرة السعديَّات حيث سيشكِّل المتحف صَرْحاً مُتحفياً ومعمارياً في قلب المنطقة الثقافية في السعديات.

 



Tags not available