|   

مخاوف أقلية غير عرقية في ظل حكومة إسلامية

Print A+ a-
الجمعة، ١١ كانون الثاني ٢٠١٣ (١٥:٤ - بتوقيت غرينتش)
الجمعة، ١١ كانون الثاني ٢٠١٣ (١٩:١٠ - بتوقيت غرينتش) إميل أمين *

هذا المقال تأخر في الظهور لأسباب عدة، لعل في مقدمها ما تجري به المقادير من فراق وشقاق في بر مصر المحروسة هذه الأيام، وقد كان حري به أن يظهر إلى العلن من حوالى شهر أو أكثر، غير أنه وفي كل الأحوال أن تجيء متأخراً أحياناً خير من أن لا تجيء بالمطلق، ولا سيما أن مادة الحديث فيه متصلة غير منفصلة، وبمقدار ما هي تشخيص للواقع، تبقى كذلك استشراف للمستقبل في لحظات مصيرية يمر بها الوطن.

والشاهد أن اختيار أقباط مصر راعياً جديداً، يترأس كرسي القديس مرقس الرسول لهو أمر مهم بالفعل لا للأقباط، على رغم كونهم الكتلة المسيحية المشرقية الأكبر حتى الساعة، بل لعموم منطقة الشرق الأوسط، التي يتساءل البعض فيها ومن حولها اليوم: هل يشهد هؤلاء بدورهم ربيعاً عربياً أم إن ذاك الذي يحدث هو بالنسبة إليهم شتاء قارس في الحال، ومظلم بالضرورة في الاستقبال؟

على أن رئيساً روحياً جديداً للأقباط وفي مصر بعد الخامس والعشرين من ثورة يناير التي حولت مصر كماً ونوعاً إلى مسار جديد، لهو أمر يفرض رؤى مغايرة لما سبق بل ويستدعي في شكل ملح تساؤلات عدة ربما لا نملك عليها إحابات شافية في الوقت الحاضر، إذ ينظر كثيرون من المصريين مسلمين ومسيحيين على حد سواء، إلى الوراء بقلق ولجهة الأمام في خوف.

كيف يفكر بابا الأقباط الجديد وما هي رؤاه وتوجهاته الروحية والسياسية؟ وهل مر بالفعل ومبكراً جداً بأول اختيار حاسم وحازم يعكس تجليات بابويته؟

بات معروفاً أن الرهبنة المصرية نجحت منذ ستينات القرن الماضي، في اجتذاب طغمة عريضة من شباب الأقباط المتنورين، والحاصلين على أعلى المؤهلات الدراسية، وكأني بها تقطع الطريق على نفر غير ناجحين في الحياة العامة ويرون في الرهينة مفراً من مشاق الحياة وعنائها.

وقد كان الأنبا تاوضروس الصيدلاني السابق أحدهم وعرف طريق الرهبنة عام 1986، والأكيد أنه لم يكن ليدور بخلده وقتها أن العناية الإلهية تدبر وترتب لأن يصبح البابا الرقم 118 في تاريخ باباوات الكنيسة القبطية.

يمكننا أن نقترب من فكر بابا الأقباط الجديد برؤية واضحة عبر كلماته القليلة التي استمعنا إليها منذ أن ظهر على سطح الأحداث، أي خلال فترة الترشح للبابوية وقبل إجراء ما يعرف بالقرعة الهيكلية التي تم فيها اختياره.

ولعل من الغرائب والعجائب أن الأنبا تاوضروس كان بعيداً إلي حد كبير عن الأضواء ولم يكن من الدائرة الضيقة التي كان يشار دائماً إلى حتمية اختيار البابا من بينها، لكن لله تدابيره ومقاصده التي تخفى عن أعين البشر.

يبدو العمق الوطني المصري أول الأمر وآخره راسخاً في ذهنية بابا الأقباط الجديد، الذي حدثنا أول ما استمعنا إليه عن مصر التي علمت العالم فن بناء المعابد والهياكل، وهي مصر التي قال عنها فرويد إنها اخترعت فكرة الإله وبلورة طرح «الألوهية». يؤكد الأنبا تاوضروس أن الإنسان المصري متدين بطبعه وطبيعته، فقد صنع «المسلة» ذلك العمود المزين في أعلاه بهريم يحمل لون الذهب، فإذا أشرقت الشمس يتوهج فأطلقوا عليه «عين الله» وكان الفلاحون وهم يعملون في الأرض يوقنون أن عين الله تراهم فيستمرون في عملهم إلى أن تغيب الشمس فيعتقدون أن عين الله بعدت فينهون عملهم.

يرى الأب البطريرك الجديد أن المصريين يعيشون منذ آلاف السنين حياة مشتركة وأنه يجب الحفاظ على هذا النسق الجميل من التعايش، وقد وضحت تلك الرؤية في كلمته أثناء قداس التنصيب عندما أشار إلى «العمل الكبير الذي ينتظر الجميع مسلمين ومسيحيين لرفعة شأن الوطن، والبحث سوياً في تعاون صادق ومحبة حقيقية، عن خدمة الإنسان، ومع كل الأديان، في عالم صار جائعاً للبحث عن القيم الروحية التي نشترك فيها مع كثيرين من إخوتنا المسلمين... التي تشرح القلب... تملأ النفس هدوءاً واستقراراً وثباتاً... وبعدما قاد بنو العنف والإرهاب والجريمة والقسوة وإهدار الحقوق الإنسان المشهد لوهلة... حتى صار الإنسان بلا إنسانية... في مواضع عدة من العالم».

في الكلمة ذاتها بدا أن البعد العروبي للبابا الجديد لن يكون أقل من ذاك التراث الذي تركه سلفه مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث، ففي بهجة وفرح التنصيب كان لإخوتنا الفلسطينيين المتألمين في غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي الأخير، نصيب في تفكيره ومن كلمته التي طلب فيها من الله العون لهم في شدائدهم.

وفي أول تصريح له عقب إعلامه بالاختيار لهذا المنصب الرفيع والحساس، كان البابا تاوضروس يؤكد أنه سيكون خادماً للشعب المصري كله بمسلميه ومسيحييه، وأن أولوياته في المرحلة المقبلة تتمثل في ترتيب البيت من الداخل في تعاون ومحبة مع الجميع.

هل لمسيرة البابا الجديد أن تمضي من دون ملفات شائكة في الداخل والخارج، ووسط مصر المتغيرة، التي تعيش بدورها فترة انتقالية قلقة ومضطربة؟

حكماً هناك الكثير من تلك الملفات، والتي يضيق المسطح المتاح للكتابة عن تناولها، غير أن الأحداث بدورها قد رسمت أول وربما أهم علاقة جدلية للبابا الجديد، رأس الكنيسة، بالدولة المصرية التي تشهد مرحلة مغايرة من الحكم والإدارة، وقد كانت إشكالية انسحاب الكنيسة من اللجنة التأسيسية للدستور الاختيار والاختبار الأول، إذا أعربت بدورها وكما الكثير من القوى الحزبية والسياسية والمدنية المصرية عن رفضها لدستور يهيئ مصر للدولة الثيوقراطية، ويفتح الباب مستقبلاً واسعاً لفكرة «ولاية الفقيه». وهو أمر اعتبره البعض مؤشراً غير إيجابي لتعاطي الكنيسة الجديد مع الحياة السياسية المصرية.

والمقطوع به أن الأقباط جزء أصيل من النسيج المصري بمعطيات إيمانية مغايرة، غير أنهم وإن كانوا أقلية من حيث العدد، ليسوا أقلية ضمن أقليات العالم العربي والشرق الأوسط بالمعنى العرقي أو الطائفي، كما الأكراد في العراق، والبربر في المغرب العربي، والدروز أو الأرمن في إسرائيل، وهذا هو - والوصف هنا للكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل - «سر الخصوصية المصرية طوال التجربة الإنسانية في هذا الوطن، كما أنه سر وحدة الكتلة الحضارية للشعب المصري وتماسكها».

وظني أيضاً أن البابا الجديد والذي كان حفل تجليسه وقداس تنصيبه دليلاً جديداً على مصر الحية الحقيقية بمشاركة المسلمين والأقباط وبحضور رموز الدولة ومندوب رئاسة الجمهورية، يعي جيداً مقدار المسؤولية الجسيمة التي تلقى على عاتقه في صون السلام الاجتماعي، والإبقاء على النسيج المصري كتلة واحدة من دون شقوق أو شروخ، يسعى من له مصلحة في تعميقها ليشق الصف المصري الذي يعاني هذه الأيام بالفعل مخاوف عدة، تبدت ولا تزال في الخلاف حول الدستور المصري وهذا بداية المخاض.

كيف يرى التيار الإسلامي في مصر البابا الجديد وما هي تمنياته عليه؟

هذا سؤال مهم في هذا التوقيت، حيث يتسيّد الإسلاميون المشهد، وقد ذهب بعضهم مثل الدكتور عماد عبدالغفور مساعد رئيس الجمهورية للتواصل الاجتماعي، ورئيس حزب النور، إلى أنه على «رئيس الكنيسة المقبل أن يبحث عن مصلحة الدولة والطائفة المسيحية في مصر - وقد خانه لفظ الطائفة ولا شك - وأن يدرك أن المسؤول السياسي والمرجعية السياسية للدولة هو رئيس الجمهورية وأن دوره هو التوجيه الديني والروحي للمسيحيين».

أما السيد عاصم عبدالماجد، عضو مجلس الشورى للجماعة الإسلامية فأكد أنه «يجب على البابا الجديد الالتزام بتعاليم من سبقوه وأن يبتعد بالكنيسة عن السياسة والإبقاء على سلطته روحية فقط».

ومما لا شك فيه أن تفكيك الخطابين السابقين كعينة من تصريحات كثيرة صدرت عن مختلف الأحزاب والقوى الإسلامية، يقودنا إلى مخاوف من أن يكون البابا والكنيسة هما صوت الأقباط في عالم مصر بعد 25 يناير لكن واقع الحال يشير إلى أن ذلك لن يكون كذلك. كيف ولماذا؟

الثابت أنه ضمن المتغيرات الجذرية الكثيرة التي شهدتها مصر في العام ونصف العام المنصرمين ومنذ الثورة الأخيرة، كان التغير النوعي والكمي في تفكير شباب الأقباط، وبخاصة بعد أن ظهرت قيادات علمانية قبطية أي ليست من الأكلدوس رجال الدين، ترى أن عليها واجباً سياسياً ما يتوجب من منطلقه المشاركة في الحياة السياسية المصرية، وبعيداً من أي توجه رسمي أو توجيه مقصود بذاته من الكنيسة للأقباط. هذا الأمر بان جلياً في مشاركة الأقباط في ميدان التحرير وهناك عشرات من شباب الأقباط وشاباتهم سقطوا شهداء في ذلك الميدان، عطفاً على ما جرى في «موقعة ماسبيرو».

لذلك فإن التحدي الداخلي الكبير الذي سيقابله البابا الجديد هو التعاطي مع شباب مصر من الأقباط، ولا نقول شباب الأقباط، إذ خلع هؤلاء عنهم الثوب الطائفي وفضلوا عليه - وأحسبهم سيفعلون دوماً وأبداً - الثوب الوطني، ولهذا السبب ربما صرح البابا تاوضروس في فترة الترشح للبابوية بالقول إن الشباب المصري بعامة مسلمين ومسيحيين قد تأثروا كثيراً بالثورة، وأن الحوار معهم والاستماع إليهم ومناقشتهم مناقشة ناضجة في مختلف القضايا هو أهم شيء في الوقت الحاضر، وأنه لم يعد يجدي أن يطرح الشباب فكرة أو رؤية ويتم التعامل معهم برؤية جماعية قاطعة لا تقبل النقاش.

هل تغير الأقباط بدورهم ضمن مصر المتغيرة؟ وإلي أي مدى يخلق هذا التغير واقعاً جديداً للبابا تاوضروس الذي يعني اسمه «عطية الله»؟

الشاهد أن هناك قضايا كثيرة داخل الكنيسة القبطية تثور من حولها الخلافات ربما في مقدمها قضية الآلية التي يتم من خلالها انتخاب البابا والتي يري جمهور عريض أنه حان الوقت لتغييرها.

ومن بينها كذلك البعد الخارجي، وعلاقة الأقباط بالعالم من حولهم بصفتهم جزءاً من النسيج المصري وليسوا «غيتو يعيش في مصر وقلبه في الخارج»، وهنا تطرح إشكالية أقباط المهجر ذاتها على ساحة النقاش، وتحتاج لحديث مفصل بذاته بعد أن أضحى الأمر أقرب إلى ظاهرة الدياسبورا الطوعية غالباً، القسرية ربما فيما بعد، وإن ذهب البعض إلى تعاظم الطرح الثاني أخيراً.

خذ إليك أيضاً الجدل القائم حول زيارة الأقباط إلى الأراضي المقدسة في القدس، فالبابا تاوضروس وفي تصريحه لصحيفة وطني بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم، يؤكد أن «زيارة الأقباط القدس الآن تعد خيانة من الوجهة المسيحية، فمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي وقعت عام 1979 أعادت العلاقات بينهما على مستوى الحكومات فقط، ولم تعد العلاقات بين الشعبين لطبيعتها وهو ما نسميه «التطبيع» ولو ذهب الأقباط إلى القدس وتركوا إخوانهم المسلمين لوقعوا في خطيئة «الخيانة». ويضيف البابا الجديد: «هذه كانت رؤية البابا شنودة ونحن نتمسك بها وسنسير على نهجه وحكمته». غير أن هذا التوجه في حقيقة الأمر لا يلقى هوى عند كثيرين من الأقباط، كان ذلك في عهد البابا شنودة، وحتماً سيتصاعد الآن.

وباختصار، ربما ترك البابا شنودة نموذجاً نهضوياً تراثياً للكنيسة والوطن والعروبة، لكن من دون أدنى شك فإن معطيات الحاضر وحركة التاريخ التي تصنعها قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية وفكرية، ضمن مشروع صراع الحياة وجدليتها المعتادة، تخلق واقعاً جديداً أمام البابا تاوضروس داخلياً وإقليمياً وعالمياً، والرجل الذي يسعى إلى «لم الشمل» عليه أن ينهض به.

وأحسب أن كلمة السر في طريقه إلى مواجهة هذه الأحجية بل المعضلة الكبرى كامنة في استلهام الروح الوطنية المصرية القادرة وحدها على النهوض بتبعات بناء مصر الجديدة، مصر المسلمين والمسيحين، وفي هذا يقع أيضاً على المصريين عبء مساعدة الرجل، من خلال نرجسية مستنيرة تسعى لنهضة الوطن والمواطن معاً مرة وإلى الأبد، هذا إذا أرادت مصر أن يكتب اسمها من جديد في كتاب الأحياء بعد أن عرفت كثيراً بـ «كتاب الموتى» أو الخروج إلى النور في ترجمته الحقيقية.

 

* كاتب مصري

Tags not available