|   

غزة الآن

Print A+ a-
الخميس، ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٢ (١٦:٥٨ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٢ (١٨:٢ - بتوقيت غرينتش) أمينة خيري

جرى العرف الفضائي أن تتفاخر هذه القناة أو تلك بنقل وقائع الحفلة أو أحداث المباراة أو تفاصيل المسيرة... وهو عرف يعني انفراد القناة وتميزها. ولكن شاءت الأقدار أن تحمل للمنطقة معاني متناقضة كلما ذُكرت عبارة «على الهواء مباشرة». فالهواء لا يأتي بالضرورة بوقائع الحفلات وتفاصيل الأحداث، لكنه دأب، على إحضار مشاهد القتل والدمار.

وما يزيد الطين بلة، هو أن المشاهد المنقولة لم تعد تتوقف عند حدود بث شرائط مسجلة لعملية اغتيال غاشمة، بل باتت القنوات تعد مشاهديها مقدماً بنقل مشاهد القتل والتفجير المتوقع حدوثهما.

«غزة الآن» هو العنوان الأحدث للبث المباشر الموعود به المشاهد. يجلس الجميع مترقباً أمام شاشات صامتة تنقل ليل غزة الحالك عبر كاميرا مثتبة أعلى مبنى يكشف عدداً من الشوارع والمباني. سكون مرعب يجعل الأنفاس تتلاحق. تتحرك الأشجار بين الحين والآخر ربما لتؤكد لملايين المتابعين أن الصورة حية، ولم تعد ميتة «بعد»! تمر سيارة مسرعة هنا وهناك، ويتحرك خيال المشاهد بين نافذة تنقل ضوءاً خافتاً، أو شرفة تركت صاحبتها الملابس لتجف على رغم كل شيء. هل أصحاب البيت في الداخل؟ هل هم قابعون في غرفة واحدة يحتضنون بعضهم بعضاً انتظاراً للقذيفة المتوقعة؟ هل تركوا البيت ويحتمون تحت الشجرة التي تهتز بين الحين والآخر؟ من يقود السيارة المسرعة؟ وهل سيصل قائدها وركابها إلى هدفهم أم أن الموت المرتقب أسرع؟

تعتري المشاهد رغماً عنه رغبة شيطانية في تعجل الضربة المتوقعة، لأن القلوب تكاد تتوقف وهي تنتظر حدوث الانفجار! وما دامت الضربة آتية لا محالة، فلتحدث الآن ويكفي عذاب الانتظار. وتزيد طول الانتظار بلّة معرفة الخطة مقدماً.

المشاهد المتابع للتلفزيون الإسرائيلي عرف الثلثاء السيناريو المتوقع بالتفصيل. قصف مكاتب ومقار الرموز السياسية، قصف بيوت النشطاء، إيقاع الضرر بالممتلكات، الاغتيالات سواء على المستوى الميداني أم باستهداف خلايا الصواريخ، قطع الكهرباء، إغلاق المعابر، عمليات برية محدودة. وفي حال فشلت الخطوات السبع السابقة، يبقى اللجوء الى سيناريو العمليات الكبرى على غرار «الرصاص المصبوب». يجلس الجميع متابعاً عملية «عمود السحاب»! أهل غزة ينتظرون نوع العمود وشكله وتوقيته. صحيح أنه ملقب بـ «عمود السحاب»، لكنه مرشح للظهور براً وبحراً، وليس جواً فقط. أما من يتابعون من الخارج، فتعتريهم مشاعر متضاربة.

يشعر المشاهد بالخزي والعار بحكم جلوسه ليتابع عمليات القتل بينما تحدث، ويعتريه الغضب لأنه ضعيف لا حول له ولا قوة، وهو ما ينتج مشاعر متضاربة تجاه الشاشة القابعة أمامه. يتمنى لو يقذفها بالطاولة ليهشّمها غضباً، ويهرب منها إلى غيرها فيجد من ترقص على هذه القناة، أو من هو مستمر في تمثيل قصة حبه مع الحسناء الفاتنة في هذا المسلسل، فتعاوده مشاعر الغضب، فيهرع عائداً ليتابع القتل «على الهواء مباشرة»!

Tags not available