فيليب روث يكشف لعبة القدر البشري
باريس - أنطوان جوكي
الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٢

بغية تسهيل فهم مساره الكتابي الطويل الذي يمتد على مدى نصف قرنٍ، عمد الكاتب الأميركي فيليب روث منذ سنوات إلى تقسيم رواياته الغزيرة إلى أربع مجموعات وفقاً للشخصية التي تؤدّي الدور الرئيس فيها. وفي هذا السياق جمع الروايات التي نشطت فيها شخصية زوكرمان، ثم تلك التي تركّزت على شخصية كيبيش، فالروايات التي يظهر الكاتب فيها شخصياً، من دون أن ننسى تلك التي تختلط فيها شخصيات ومواضيع من نصوصٍ سابقة بشخصياتٍ ومواضيع جديدة.

ولكن منذ فترة قصيرة، انطلق روث في كتابة رباعية تحت عنوان «نيميسيس» (Némésis) تتميّز بنصوصها القصيرة وبطغيان موضوعَي الموت والحُكم الأخلاقي عليها. وعلى رغم جدّية هذين الموضوعَين، بدت الأجزاء الثلاثة من هذه الرباعية ضعيفة في نظر بعض النقّاد تبعاً لمثابرة روث فيها على مقاربة هواجس جنسية يصعب تبريرها لدى رجلٍ كان قد بلغ العقد السابع من عمره. ولعل هذا ما دفعه في خاتمة هذه الرباعية، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً لدى دار «آكت سود» الباريسية، إلى منحنا نصّاً عفيفاً وقوياً يحمل عنوان الرباعية ويمدّها بتماسكٍ استعادي أكيد.

وتجدر الإشارة أولاً إلى أن «نيميسيس» هي إلهة الانتقام لدى الإغريق، كما أنها عبارة شائعة في الولايات المتحدة تعني القدرية التي يستحيل الإفلات منها. وبالنسبة إلى الشخصية الرئيسة للرواية، باكي كانتور، تحضر هذه القدرية على شكل مرض شلل الأطفال (poliomyélite)، أو هذا ما نظنّه في البداية. أما أحداث الرواية فتقع خلال السنة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية في مدينة نيوويرك (Newark) التي وُلد فيها روث وترعرع.

وباكي كانتور هو شاب في سن الثالثة والعشرين يعمل أستاذاً للرياضة في مدرسة «شانسلور أفينيو». ومع أنه بطلٌ في السباحة والغطس مفتول العضلات، لكن بسرعة يتبيّن لنا أنه قبل أي شيء شخصٌ يؤمن بالواجب لتعلّمه على يد جدّه، الذي ربّاه على أثر وفاة أمه، أن الرجولة تكمن خصوصاً في تحمّل المسؤوليات التي تقع على عاتقنا. ولأن صديقيه الحميمَين نجحا في الانخراط بالجيش ورحلا إلى فرنسا لمحاربة النازيين، نجده يتحسّر على وضعه لعدم تمكّنه من مرافقتهما بسبب ضعف نظره الذي حال دون قبول تطوّعه. لكن قدره سيمنحه فرصة القتال على جبهة من نوعٍ آخر لا تقل شراسةً عن جبهة الحرب. إذ لن تلبث عدوى مرض شلل الأطفال القاتلة آنذاك أن تنتشر في مدينته حاصدةً الصغار والكبار، الواحد تلو الآخر، فتحل حالة من الهستيريا الجماعية والخوف على سكان نيوويرك بعد إخفاق كل التدابير الاحترازية لإيقاف هذه العدوى.

وبسرعة، يأخذ باكي على عاتقه مهمة السهر على سلامة تلاميذه وتعزية الأهالي الذين فقدوا أولادهم وتهدئة جموح بعض سكان المدينة الذين يبحثون عن كبش محرقة للثأر منه. وبعد رفضه في البداية الالتحاق بحبيبته مارسيا ستاينبرغ التي كانت تعمل في مخيّم للأطفال في جبال بوكونوس، بعيداً من العدوى، على رغم عثورها على عملٍ له في المخيّم، يستسلم في النهاية لرغبتها، خصوصاً أن العناية الإلهية نفسها بدت له وكأنها قد تخلّت عن مدينته. لكن فرار باكي من قدره لن يكون سوى فرار وهمي. فمثل أوديب الذي حقّق نبوءة كاهنة معبد دلفي بمحاولته الإفلات منها، تلحق العدوى بباكي إلى المخيّم، قبل أن يتبيّن له أنه هو مَن أتى بها. ومع أنه يفلت من الموت فهو يصاب بالشلل فيقطع علاقته بمارسيا لتحريرها من عبء الاهتمام به ويحكم على نفسه بالعزلة والتعاسة حتى النهاية.

 

تراجيديا الحقيقة

بأسلوبٍ مصفّى إلى أبعد حد ومهاراتٍ سردية نادرة، يمنحنا روث في هذه الرواية تراجيديا حقيقية. فبطلها يبدو محكوماً بالخضوع لقدرٍ أسوَد على رغم إرادته الصلبة ونياته الطيّبة. وإلى جانب موضوع الموت الكلّي الحضور فيها، يطغى على أحداثها موضوعَا الخوف والظلم: خوفٌ يستشري في أنحاء المدينة ويطاول باكي الذي يخشى ألا يكون في مستوى المسؤوليات الواقعة على عاتقه؛ وظلمٌ يستشعره باكي بسبب وفاة أمّه أثناء إنجابه وعدم معرفته لأبيه وبسبب حصد العدوى، تحت أنظاره، عشرات الأطفال الأبرياء، مما يدفعه إلى حد مساءلة قناعاته الدينية على ضوء المآسي المتتالية.

ومثل سائر روايات روث، ثمة جدلية فاعلة داخل هذا النص بين حسّ المسؤولية والرغبة، بين ما علينا أن نفعله وما نرغب في فعله، بين اتّباع صراطٍ مستقيم والاستسلام لملذّات الحياة. ومع أننا نعرف إلى أي جهة كان يميل الكاتب في الماضي، ها هو يبرهن عن تحوّلٍ غير متوقع في موقفه. ومع ذلك، تبدو قيَم النزاهة والتضحية بالذات التي تتحلى بها شخصية باكي، وتجذبنا داخل الرواية، غير مجدية ولا تقود إلى أي مكان.

ففي البداية، تظهر مشاكل باكي وكأنها ناتجة من قراره الالتحاق بحبيبته وإهمال واجباته تجاه أطفال مدينته وأهاليهم، ولكن في النهاية يتبيّن لنا أن سبب بؤسه الحقيقي هو حسّ الواجب المفرط لديه وتوقه إلى المسؤولية الكاملة واعتقاده بأن ثمّة معنى لكل شيء. فمع انطلاق العدوى، يوجّه أصابع الاتهام إلى البارئ قبل أن يحوّل غضبه في اتجاه نفسه، لأن أناه المثالية الثائرة تتطلّب مذنباً ولا تقيم أي اعتبار للعارض والعبثي اللذين يتحكّمان بقوة في حياتنا.

ومقارنة بشخصيات روث السابقة، يظهر باكي كشخصية باهتة ينقصها حسّ الطرافة. وبرسمها على هذا النحو، يحذف الكاتب منها ما يُشكّل قوّته وميزته الرئيسة. لكن هذه الشخصية هي أيضاً مقابلٌ ضروري لكل الغرائز الحاضرة في أعماله السابقة. وحين نفكّر قليلاً، يتبيّن لنا أن من المنطقي أن يترك روث للنهاية تحدّي استكشاف حياةٍ مضادّة قائمة على الحرمان والتزهّد، خصوصاً أن هذا النصّ هو خاتمة مساره الروائي.

ولم يخطئ النقّاد الذين أشاروا إلى تشابهٍ كبير بين هذه الرواية ورواية ألبير كامو «الطاعون». فمثل هذا الأخير، يضعنا روث أمام شخصيات عليها مواجهة عدوى مميتة ولا سلاح في يدها سوى اللجوء إلى ضميرها المعذّب، ويروي كذلك تطوّر هذه الكارثة والهلع الذي يحلّ على سكان المدينة ويدفعهم إلى البحث عن المذنبين. وبينما يرمز الطاعون في رواية كامو إلى احتلال الألمان لفرنسا، تشكّل العدوى المتربّصة بالطائفة اليهودية في مدينة نيوويرك، في رواية روث، استعارة قوية لعملية الإبادة الجماعية لليهود التي كانت سائرة في الوقت ذاته في ألمانيا.

وثمة بُعدٌ مجازي آخر في هذا النص يتعلّق بهرم جسدنا الحتمي مع مرور الزمن، بعد اختبارنا الصحة والعافية. ولوصف ذلك، اعتمد روث على التصوير السريع عبر جعلنا نرى باكي بجسدٍ رياضي يتحوّل بين ليلةٍ وضحاها إلى جسدٍ مشلول يتطلّب تحريك أحد أعضائه جهداً جبّاراً.

لكن أكثر ما يشدّنا في هذه الرواية يبقى وصف روث الدقيق داخلها لعنف العواطف الناتجة من الكارثة الواقعة وتصويره من أقرب مسافة ممكنة حال كلّ من باكي وحبيبته والأشخاص الذين ضربتهم العدوى، مبيّناً تفاوت ردود فعل البشر تجاه أي محنة ومسلّطاً ضوءاً كاشفاً على الألم الذي يتربّص بنا طوال حياتنا ويضربنا عاجلاً أو آجلاً في عمق كينونتنا فيكشف لنا حقيقة وضعنا الهشّ وعزلتنا تحت سماءٍ صمّاء.

آخر تحديث:
الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٢
حبيب حداد
الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠١٣
كيري: صواريخ "اس 300" الروسية الى سوريا ستخرق التوازن في المنطقة دراسة: أغلفة الطعام البلاستيكية تسبب ارتفاع ضغط الدم عند الأطفال "نيسان" تسحب 841 ألف سيارة من الأسواق العالمية بسبب مشكلة في المقود اعتقال تونسي ادعى أنه «المهدي المنتظر»! حرس الحدود المصري يحبط محاولة تهريب صواريخ "غراد" وبنادق ومواد مخدرة على الحدود الليبية مصر: توزيع "بطاقات ذكية" للوقود على المواطنين لترشيد الدعم الخطيب يطلق مبادرة للحل: الأسد يغادر سورية خلال 20 يوماً بعد تسليم صلاحياته للشرع أو الحلقي دراسة: النساء أكثر اكتئاباً من الرجال «أبطال أوروبا»: دورتموند من حافة الإفلاس إلى قمة «ويمبلي» تخفيض سعر شحنات أغسطس من خام دبي بـ 5 سنتات للبرميل مقارنة بعُمان مسؤول إسرائيلي: الإستخبارات تقدم "مساعدات إنسانية" في القرى الدرزية المحاذية للحدود خبير: أجهزة الكمبيوتر ستمتلك قريباً «عيون وأذان» اليابان: مؤشر "نيكاي" يشهد أسوأ تراجع منذ 13 عاماً مصدر مقرب من "حزب الله": مقتل 75 من عناصر الحزب في سورية "الائتلاف السوري" المعارض يبدأ إجتماعه في اسطنبول ابنة النجمين بروس ويليس وديمي مور تشارك في مسلسل جديد تراجع نسبة الولادات في صفوف المراهقات الأميركيات الصين: تراجع مؤشر رئيسي لقطاع التصنيع إلى أدنى مستوى منذ 7 أشهر "أصدقاء سورية" تطالب بالانسحاب "الفوري" لمقاتلي "حزب الله" وإيران من سورية أول عملية لـ«زرع الوجه» في بولندا باريس سان جرمان يفاوض روني.. والأجر مغرٍ قنديل: أزمة خطف الجنود في سيناء كشفت عن فئة حاولت شق الصف الوطني باكستان: مقتل 13 شخصاً غالبيتهم من رجال الأمن بانفجار عبوة في كويتا خمسة مشتبه بهم جدد في التحقيق الاميركي بالهجوم على السفارة في بنغازي إيفا لونغوريا تنال شهادة ماجيستير من جامعة كاليفورنيا اوباما يريد استئناف نقل معتقلي غوانتانامو الى دول اخرى تويتر تعزز حماية حسابات المستخدمين بعد هجمات في الاونة الأخيرة سلطات دبي تضبط شحنة كبيرة من العاج مهربة من افريقيا اعتداء بوسطن: مقتل رجل في "مواجهة عنيفة" مع عنصر من "اف بي اي" الكونغرس الاميركي يعد اقتراح قانون لتشديد العقوبات ضد ايران الولايات المتحدة تعترف بقتل الامام العولقي وثلاثة اميركيين اخرين مصر: الربط الكهربائي مع السعودية يتيح تبادل 3 آلاف ميغاواط لجنة الكونغرس توافق على تسليح المعارضة وإدريس مستعد لزيارة موسكو مع وفد عسكري صنعاء: السعودية سبّاقة في الوفاء بتعهداتها رأس مال «الإسلامي للتنمية» 150 بليون دولار محتجون يغلقون خط أنابيب النفط إلى ميناء الزويتينة الليبي باريس ولندن تريدان اقناع الاوروبيين برفع الحظر على الاسلحة الى المعارضة السورية ساركوزي يعرب في اسرائيل عن اسفه لكون الاتحاد الاوروبي عاجزاً في سورية واشنطن: تقرير الوكالة الذرية حول النووي الايراني مؤسف لايران رئيس الوزراء الجزائري ينتقد اعتماد بلاده على النفط ويصفه بالمصيبة فرنسا: على الأسد تسليم السلطة لإنهاء الحرب لندن: القبض على رجلين قتلا جندياً وقطعا رأسه بـساطور الاتحاد الأوروبي ينشئ بعثة مدنية لمساعدة ليبيا في إدارة الحدود قائد عسكري إسرائيلي: صواريخ "أس - 300" في طريقها إلى سورية الجيش السوري الحر: حزب الله سينفذ تفجيرات في لبنان قبل 25 مايو المقداد: سورية ستتخذ القرار النهائي حول مشاركتها في مؤتمر "جنيف 2" قريباً العراق: نحن في حاجة ماسة للتسلح لندن: اعتقال قاتل جنود بريطانيين قبل 31 سنة فرنسا تعتزم إنفاق 20 مليون يورو لتعزيز أمنها في الشرق الأوسط وافريقيا ايقاف مورينيو وكريستيانو رونالدو مباراتين فرنسا تتهم النظام السوري بالسعي لنقل الأزمة إلى لبنان "الدولية للطاقة الذرية": ايران سرعت تركيب اجهزة حديثة للطرد المركزي العاهل الاردني يحذر من ان تضرب الاعتداءات على القدس فرص احياء عملية السلام كيري: آلاف من مقاتلي "حزب الله" يقاتلون في سورية "ذي إيكونومست": البنوك الأجنبية تسعى لموطئ قدم فى تركيا مصرف سورية المركزي يصادر العملات الأجنبية من حوالات المواطنين مصر تلغي منحة الطائفة اليهودية بعد وفاة رئيستها الـ'أف بي أي' يقتل رجلاً في فلوريدا يشتبه بصلته بالمشتبه به في تفجيرات بوسطن خبير مالي: تونس معرضة لمخاطر تُهدد التوازنات المالية للدولة تركيا تؤكد احباط مخطط لتنفيذ اعتداءات ضد مخيمات للاجئين السوريين مقتل 12 شخصاً في قتال طرابلس شمال لبنان السفير السوري في عمّان: الأسد مصر على الترشح للرئاسة عام 2014 "البنك الدولي" يتعهد بتقديم بليون دولار لدعم السلام في البحيرات العظمى بأفريقيا تراجع واردات الهند من النفط الإيراني 34% في ابريل مسلمو هولندا ينفون إشاعات حول تطبيق الشريعة في أحد أحياء لاهاي
[بيروت]
راسلونا إن كان لديكم أي اقتراح أو أي مشكلة.
جاري الإرسال
لقد تم الإرسال
فايسبوك كونكت Facebook Connect تخوّل للمستخدمين امكانية استعمال بيانات الدخول الخاصّة بهم على فايسبوك للدخول الى الموقع دون الحاجة للتسجيل.

كما يمكنكم ان تتصلوا بسهولة بأصدقائكم الموجودين مسبقا على فايسبوك.