واسيني الأعرج بين مأساة فلسطين و11 أيلول
سارة ضاهر
الأربعاء ٢٦ سبتمبر ٢٠١٢

من «سراب الشرق» إلى «رماد الشرق»، يدخل الروائي الجزائري واسيني الأعرج في عمق السعي إلى رواية التاريخ العربي، أزمنةً وأمكنةً وشخصيات، مجاعاتٍ وأهوالَ حروب وأوضاعاً تزداد اشتعالاً وتطرّفاً وتوتراً، كأنه بذلك أراد أن يحكي التاريخ، ثورات وحروباً، واقعياً ورومنطيقياً، توثيقاً وتخييلاً. وكانت الحروب كثيرة، وبهذا تبدو الرواية مكتملة، وقد سخّر الكاتب لصنيعه الروائي هذا أدوات فنية عدة، من تقليديّة وحديثة، ليعيد إلى الذاكرة مجتمعاً حافلاً بالتناقضات، ذاق ما ذاق من أهوال الحروب وويلاتها، ولم يكسر من حدّتها الا نزعة الحفيد البطل «جاز» إلى العزف الموسيقي وعشقه آلات هذا النوع. والاسم (« جاز») الذي يحمل في داخله معنى لنوعٍ محدّد من الموسيقى اشتهر به الغرب ولم يعرفه العرب إلا لاحقاً.

من الممكن أن تمنح قراءة التاريخ روائياً حياة أخرى للتاريخ، وكذلك تاريخاً آخر للقارئ، ولعلها تكرّم الشهداء، وترفع الظلم عن المظلوم، وتمثّل نقمة المجتمع على الحاكم، فيتحوّل الماضي إلى حاضر نعيشه، ونعيش معه وهْمَ استعادته.

تحمل رواية «رماد الشرق» (دار الجمل) -بجزأيها- مجموعة من الوقائع والهزائم والانكسارات، وتحوّلها جميعها إلى سمفونيّة تعزفها أيدي جيل شاب، سمع الكثير عن أرض لم يعش فيها، وحروب مرّت لكنها لا تزال تختمر في النفس والروح.

 

ثلاث نقاط

في روايته «رماد الشرق» يحاكي الكاتب الواقع القائم على ضوء الماضي (المستمر)، الذي اعتمده مرجعاً، من دون أن يغيّر أو يبدّل في الأحداث. ولج الروائي فضاء هذه الرواية بكثير من التفصيل والشرح، متوقفاً عند الأحداث في مداها التاريخي. وفي ما يخصّ الشخصيّات، لم يسع الكاتب جاهداً إلى ابتكارها، بل هي تكاد تكون شخصيات نموذجية أكثر منها شخصيات حقيقية لها فرادتها، فالجد هو الجَدّ في كل زمان ومكان، والحفيد تنقصه الخصوصية أيضاً، وبالتالي يعرف الكاتب جيداً أفكارهما، مشاعرهما، علاقاتهما وأفعالهما.

يستهل الكاتب واسيني الأعرج روايته هذه بثلاث نقاط ثلاث مرات تليها علامة استفهام قد تكون علامةَ الخيبة المرتسمة على الوجه العربي بوضوح، والإحساس بالانكسار والاختناق والبحث عن التوازن المفقود.

يجسّد «بابا شريف»، أو الجد في الرواية، العمر الماضي، هو القضية الفلسطينية المعقدة، ويحسن الكاتب وصف واقع الحال عندما يقول « لم نتقدّم أبداً في عملنا». تجري الرواية على لسان هذا «الجد» في حوار مع حفيده الذي إمّا يأتي سائلاً أو يقلّب صوراً بالأبيض والأسود تشهد على الزمن المخيف والمشانق المعلّقة.

«جاز» أو «الحفيد» هو الشخصية الرئيسة، ابن الشهيد سليم الجزائري الذي قتله جمال باشا في بيروت. يعيش في مدينة نيويورك، درس الطب لكنه وجد نفسه في الموسيقى، هي مآله الذي اختاره عن حب. هو عازف كمان يسعى إلى إنجاز مقطع من سيمفونية تجسّد أنين جده. لكن أنين الكمان يرسم كل الوقائع وكل الحروب وقسوة الترحال، هدير السفن وهي تحتل البحار، كبار الضباط الإنكليز والفرنسيين وهم يعقدون الصفقات المدروسة، يأخذون مشرطاً ويقطّعون به الخرائط، وكلما سطّروا خطاً بمشرطهم الحاد، نزف الورق ليحول الخطوط إلى وديان من الدم...

لكن لوحة مدينة نيويورك التي يعيش فيها، تدحرجت في مكانها قليلاً، فسقطت على الأرض وتكسّر زجاجها إلى مئات من القطع الصغيرة، مخلّفاً خدوشاً على وجه اللوحة وعلى صفرة الشمس المشعة وانشقاقات عديدة في الإطار الخشبي وعلى التوقيع الصغير الذي لا تزال نعومته ظاهرة على الجانب الأيسر من اللوحة.

البرجان يشتعلان والدخان يتصاعد عالياً ، «الرحلة رقم 11 التي اصطدمت بالبرج الشمالي أقـلعت مـن بوسـطن. الـرحلة رقم 175 التي اختـرقـت البرج الجـنوبي أقـلعت هـي كـذلك من بوسـطن...».

عاد العالم إلى الوراء، ولو كانت البشريّة تملك ذاكرة لما فعلت في نفسها ما فعلته. فالظلم يورث الأحقاد ويخرجها في شكل دفعات قاسية. مرة أخرى سيكون سكان هذه الأرض المسالمون، الطريق السهل الذي يسلكه تجّار الحروب والقتلة، أما الضحايا فيكونون وقتذاك عند البوابات الرسمية وفي الشوارع، مشكّلين مجموعات صغيرة غير مسموعة، يبحثون عن الحقيقة بعد أن غطيت بخمسين أو مائة سنة من الكذب والتلفيق. البشرية تخطئ مرة أخرى طريقها. قرن آخر من سوء التفاهم والأفكار الجاهزة وربما التقتيل المجاني والجماعي والمزيد من الأحقاد، فالحقد هو الزيت الذي يسهّل حركة الضغينة بين الأمم والشعوب. الحقد مثل الجمرة المتقدة تحت الرماد، الرياح لا تطفئها بل تزيدها اشتعالاً.

 

ذاكرة ليست لهذا الزمن

كان الحادي عشر من أيلول نقطةَ تحوّل في حياة العرب الذين يسكنون أميركا، ومن بينهم «جاز». ليست هذه أميركا التي منحت أمه طفولة هادئة وفرصة لكي تشارك في المعارض والمتاحف الفنية من خلال لوحاتها وأعمالها الفنية. ليست هذه أميركا التي انقذت جده من موت أكيد كانت تحضّره له جماعات الهاغانا على حواف القدس ومنحته وطناً موقتاً. هذه أميركا أخرى ظلّ ربما يتغاضى عنها.

كلما حاول «جاز» أن ينسى، طنّ في أذنيه الحجر الذي كسر زجاج الباب الخارجي واخترق وقار «الهيرفي ثياتر» وصمته، حيث كانت تتدرّب فرقته. الضربة لم تخترق زجاج المبنى فقط، لكنّها هزّت يقينه في الأشياء التي تسكنه ومزّقت ذاكرته، وجاءت متبوعة بأصوات الغوغاء «اخرج أيها الإرهابي، اخرج أيّها العربي النتن من مدينتنا. بروكلين ليست للقتلة».

البطل موسيقي مجتهد، رهانه الكبير أن يعيد كل ذلك التاريخ المنسي إلى الواجهة من خلال الموسيقى، لكنها قصة طويلة، بل أسطورة. وتقول الأسطورة «الحقيقية» على لسان الجد، أنّ العرب خاضوا حروباً كبيرة وخسروا الكثير منها، لكنهم دخلوها بقناعة كبيرة بالانتصار. لم تكن مطالبهم كبيرة وكثيرة: وحدة هذه الأرض التي مزّقتها شفرة سايكس-بيكو، وتنفس هواء الحرية كما حدث لكل الشعوب. لكنهم في النهاية تحوّلوا إلى لحم رخيص للمدافع وصارت مطالبهم صعبة ومستحيلة وأحياناً مضحكة. ذاكرتهم ليست لهذا الزمن، فالإنسان عندما يُهزَم ويحاول أن يقاوم الخسارات العميقة، يظهر ذلك في عينيه ولا يمكنه أن يخبئ هزائمه. الإحساس بالهزيمة في الحياة هو بقدر الحلم. إذا كان هذا الأخير كبيراً جاءت الهزيمة شاقة وعنيفة، وإذا كان متواضعاً تصبح الهزيمة أمراً اعتيادياً. العرب كانوا عمياناً. استُعملوا في الحرب كوقود للمعارك وينتظرهم الآن ما هو أسوأ ممّا حدث حتى الآن!

في الجزء الأول، يحكي الأعرج الحرب لغةً ومواقع وساحات معارك. ويكمل الجزء الثاني ما بدأه الجزء الأول، فيأتي بالجديد والمختلف الذي فقده نظيره الأول، والذي اقتصر على مجرّد سرد لوقائع حقيقيّة. فالكلام هنا، في هذا الجزء، كان للموسيقى وآلاتها، التي حوّلت الكلمات إلى نغمات والأسطورة إلى سمفونيّة.

يبدأ الجزء الثاني: «ياه، بأي سرعة جهنمية يمضي هذا الوقت؟»، ربما كان الكاتب يرمي إلى السنوات السبعين التي مضت على احتلال فلسطين.

«جاز» في دار الأوبرا، أوبرا بروكلين، يرفع ذراعه اليمنى، ويرسم خطه المعتاد الذي ينزل من العلو نحو الأسفل ... بدأت الآلات تعزف المشاعر والمآسي، تتداخل فيها أشواق العودة إلى فلسطين التي يخترقها حنين الناي والأورغ المصاحب لدقات الكونترباس الجافة، ويتحوّل كل شيء إلى نداء يأتي من الأعماق، يضع الانكسارات والخيبات في الواجهة... يد تبني بعذاب وأخرى تدمّر بلذة زائدة... الشوارع تغلي، المياه التي اشتعلت فيها نيران 67 عادت إلى ألقها وعادت السفن إلى حركتها. لا شيء في الأفق... يخرج الصوت الحنيني متعالياً مع الساكسوفون. يندفع أنين الكمان بلا توقف. تعلن الطبول عن حرب آتية، لكنّ الأنين يزداد أكثر والدق الجاف يرتفع بقوة... تخفت كل الآلات وتصمت نهائياً ليندلع نشيد البكاء وأنين الكمان وحيداً وحادّاً على الخيط الأكثر رقة وإثارة للفقدان.

وفي الختام، يكشف انغلاق ستائر أوبرا بروكلين نهائياً «على مشاهد نيويورك الأخيرة المليئة بالأنوار والألوان و...». ثلاث نقاط تشير إلى أنّ الكاتب لم يكتب النهاية!

آخر تحديث:
الثلاثاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٢
حبيب حداد
الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٣
حبيب حداد
الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠١٣
حبيب حداد
الإثنين ١٧ يونيو ٢٠١٣
كردستان العراق تمنح شركة تركية تراخيص للتنقيب عن النفط اسرائيل ترفض دخول فنانين عرب الى رام الله للمشاركة في مهرجان جنرال اسرائيلي يقول ان الفلسطينيين يساعدون بهدوء مسعى السلام الاميركي اجلاء الآلاف في روسيا بعد انفجارات في مخزن ذخيرة مصر «طوت صفحة الاحتقان» مع إثيوبيا الأردن يسترد قريباً «أبو قتادة» لوس أنجليس تكرّم بروس لي رئيس بلدية مونتريال يقدّم استقالته بعد اتهامه بالفساد اثنان من ابناء القذافي يعيشان في سلطنة عمان رغم حظر السفر "غوغل" مستعدة لتعزيز موقع تونس في مجال الإنترنت "حريم السلطان" يغزو الصين زلزال قوته 5.6 درجة يهز المباني في عاصمة بيرو وزيرة يمنية تبيع خاتمها لدعم مكافحة القات 65 مفقوداً فلسطينياً وعربياً منذ 1967 في اسرائيل ومطالبة باسترداد جثامين الشهداء 600 طالب سوري يؤدون امتحاناتهم "الرسمية" في لبنان الأمن المصري يطلق النار لفض اشتباكات بين موالين من "الاخوان" ومعارضين هولاند يرحب بمشاركة روحاني في جنيف- 2 "اذا كانت مفيدة" الفاتيكان يعلن عن «أعجوبة» البابا يوحنا بولس تمهيداً لإعلانه «قديساً» بان يدعو الى انهاء تهديد العراق بعقوبات الليرة السورية تهوي و«المركزي» ينفي اوباما يحث على بناء معارضة قوية في سورية... وارساء عملية السلام بين الافغان و"طالبان" فرنسا تنتظر من ايران "بادرات ملموسة لارساء الثقة" لبنان: الجيش ينذر المسلحين في صيدا بعد سقوط قتيل بوتين يحذّر من تسليح المعارضة في سورية ولا يستبعد إمداد "النظام" بأسلحة جديدة الابقاء على مبارك مسجوناً رغم اخلاء سبيله بقضية كسب غير مشروع قمة مجموعة الثماني تؤيّد محادثات بشأن سورية وتتجنّب الاشارة لمصير الاسد «ناسا» تختار ثمانية أشخاص لأول رحلة بشرية إلى المريخ دمشق تسلم تونس 43 تونسيا جندوا للقتال في سورية الدول العربية جذبت في 2012 47 بليون دولار استثمارات أجنبية "طالبان" تفتح مكتبا في قطر... بترحيب أميركي أم فلسطينية (21 عاماً) تنجب 11 طفلاً في 7 سنوات نتنياهو: تخريب سيارات المواطنين في قرية أبو غوش يخالف عقائد الديانة اليهودية اثيوبيا ومصر تخففان من حديث الحرب في نزاعهما على بناء سد على النيل وزير الاستثمار المصري: مصالحات بنحو 10 بلايين جنيه مع مستثمرين عرب اسرائيل تتعرض لمئة الف هجمة الكترونية يومياً نحو مئة بين قتيل وجريح في هجوم مزدوج شمالي بغداد كابول تتسلم رسمياً المهام الامنية في افغانستان الأردن: إنخفاض إنتاج لحوم الدجاج 3% في الربع الاول من 2013 اردوغان: المؤامرة ضد الحكومة أحبطت النمسا قد تبطئ سحب قواتها من الجولان البحرين: السجن 5 سنوات وغرامة مالية لمن يهين الملك أو العلم أو الشعار الوطني النروج ترد اعتبار الساحرات.. بـ«نصب تذكاري»! لبنان يطالب اوروبا بزيادة المساعدات للنازحين السوريين جاستن بيبر يصدم «مصوراً» بسيارته.. ويهرب! لافروف: تسليح المعارضة السورية والحديث عن حظر جوي سيعرقلان عقد جنيف 2 ايران: لم نرسل 4000 جندي الى سورية ملك الاردن يصادق على اتفاق بريطاني لتسليم المطلوبين يشمل ابو قتادة قوى "14 آذار" تدعو الرئيس اللبناني للطلب من "حزب الله" سحب مقاتليه من سورية الصين تنتج أسرع كمبيوتر في العالم خروج 1.35 بليون دولار من البورصة التركية "الرجل الواقف" يلهم الاحتجاجات في تركيا بيل كلينتون لا يرى "بديلاً عن قيام دولة فلسطينية" دراسة: مادة في كبد القرش تقي من فقدان البصر مع تقدم العمر كرزاي: أفغانستان تجري محادثات رسمية مع طالبان في قطر دراسة: تناول اللحوم الحمراء يزيد خطر الإصابة بالسكري متطرفون إسرائيليون يهددون الفلسطينيين بأملاكهم أميركا تحتفل بولادة الطفل المليون الخالي من «الأيدز» تزايد سريع لأسعار المنازل في الصين هذا العام 200 ألف متظاهر في أضخم احتجاج منذ 20 عاماً: آسفون للازعاج ..البرازيل تتغير «فيسبوك» تعتزم إضافة خدمة فيديو إلى «انستاغرام» إرتفاع موجودات مصرف لبنان من العملات الأجنبية هجوم انتحاري قرب منزل برلماني في كابول نتانياهو يريد دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتعترف باسرائيل كدولة للشعب اليهودي بوتين واوباما سيوقعان اتفاقاً جديداً لخفض التهديد النووي أميركا تكشف عن لائحة بأسماء معتقلي غوانتانامو باربرا سترايسند تنتقد تصرفات اليهود المتشددين مع نساء إسرائيل
[بيروت]
راسلونا إن كان لديكم أي اقتراح أو أي مشكلة.
جاري الإرسال
لقد تم الإرسال
فايسبوك كونكت Facebook Connect تخوّل للمستخدمين امكانية استعمال بيانات الدخول الخاصّة بهم على فايسبوك للدخول الى الموقع دون الحاجة للتسجيل.

كما يمكنكم ان تتصلوا بسهولة بأصدقائكم الموجودين مسبقا على فايسبوك.