|   

العلاقات المصرية - السودانية تبدو جامدة في عهد «الإخوان»؟

Print A+ a-
الأحد، ١٦ أيلول ٢٠١٢ (١٨:١٩ - بتوقيت غرينتش)
الأحد، ١٦ أيلول ٢٠١٢ (١٨:٤٦ - بتوقيت غرينتش) محمد أبو الفضل *

وصل إلى القاهرة أمس الرئيس السوداني عمر البشير، وهي زيارته الأولى لمصر منذ تولى محمد مرسي الرئاسة في حزيران (يونيو) الماضي. ويرافق البشير وفد رفيع المستوى يضم وزير رئاسة الجمهورية ووزير الخارجية ومدير جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، مع وزراء الزراعة والكهرباء والسدود والثروة الحيوانية والصناعة ومقرر المجلس الأعلى للاستثمار.

هنا متابعة للعلاقات المصرية - السودانية في مرحلة ما بعد سقوط حسني مبارك.

عندما صعد نجم التيار الإسلامي في مصر ووصل الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين إلى سدة السلطة، تفاءلت الطبقة الحاكمة في السودان، وتوقع بعض المراقبين أن تشهد العلاقات بين القاهرة والخرطوم انتعاشة سياسية تعوض سنوات التيه والضياع التي كانت سائدة خلال عهد الرئيس السابق حسني مبارك. وكانت وجاهة التقدير، تكمن في الانتماء لرافد إسلامي متقارب في التفكير والطروحات والأهداف. لكن، من يدقق في حصيلة الشهرين الماضيين يكتشف أن تحول هذا الرافد إلى عامل إيجابي سيكون محكوماً بمجموعة كبيرة من القضايا والتوازنات المعقدة، التي يمكن أن تجعل منه في النهاية عنصر رفض وليس جذباً، فالمسكوت عنه من الملفات أكثر من المطروح للنقاش والحوار. وتبدو الشواهد الحالية للعلاقات بين البلدين في الفلك ذاته التي كانت عليه قبل سنوات.

لنأخذ مثلاً الأمنيات الظاهرة في شأن تطوير العلاقات الاقتصادية، والتي لا تزال في الدائرة السابقة نفسها، حيث نجد ضجيجاً حول ضرورة الدفع بها للأمام، وفي الحصيلة هي باقية على حالها من التعثر أو التقدم البطيء. وحتى الطريق الدولي الذي سيتم افتتاحه في 20 أيلول (سبتمبر) الجاري ويربط بين جنوب مصر وشمال السودان، تم الاتفاق عليه وتشييد الجزء الأكبر منه في العهد السياسي السابق، بهدف تطوير الاستثمارات المصرية في السودان وخفض أسعار السلع، لأن تكلفة نقل طن السلع جواً من السودان إلى مصر تبلغ 1200 دولار، بينما تصل في حالة النقل براً إلى نحو 200 دولار فقط. كما أن اتفاقية الحريات الأربع التي وقعت عام 2004 وتتيح لمواطني البلدين حرية الانتقال والعمل والإقامة والتملك، لم نر مؤشرات قوية على تنشيطها.

أضف إلى ذلك أن القاهرة لم تظهر حتى الآن أي كرامة سياسية تخص مشكلات السودان، في الشرق أو الغرب، أو تحرك يقول أن مصر معنية بهذا البلد الذي يحتل أهمية استراتيجية فائقة في منظومة الأمن القومي، ولم تبد، تصريحاً أو تلميحاً، اهتماماً يشي بإمكانية المساهمة في فتح الانسداد الحاصل في المحادثات بين الخرطوم وجوبا، والذي سيؤدي استمراره على حاله حتى نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الجاري إلى تغيير تكتيك المفاوضات التي تدور بينهما في أديس أبابا منذ فترة ومصر غائبة عنها. فمن المتوقع أن يتدخل مجلس الأمن لحسم الموقف وتحديد آليات جديدة للتفاوض، قد تصل إلى استخدام سلاح العقوبات ضد المتسبب في تعطيل التسوية السياسية.

المراقب للأجواء السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، التي تخيم على سماء مصر والسودان سيصل بسهولة إلى حزمة من القضايا الشائكة التي تفرمل وسوف تفرمل النيات الحسنة لأي طموحات تصل بالعلاقات إلى بر الأمان، وأن الانتماء إلى مربع إسلامي واحد أو متقارب لا يمثل على الإطلاق طوق نجاة بمفرده للخروج من الشرنقة التي طبقت على أنفاسها (العلاقات) لعقود طويلة. وفي هذا السياق يمكن التوقف عند خمسة ملفات، ربما تتقدم أو تتراجع، أو يؤثر جلها أو بعضها، لكن سوف تكون لها انعكاسات كبيرة على تحديد أفق العلاقات ورسم معالمها، لأنها تمس مفاصل غاية في الحساسية.

الأول، ملف المياه. فعلى رغم أن القاهرة والخرطوم تقفان على أرضية واحدة تقريباً من اتفاقية عنتيبي ورفضتا التوقيع عليها حتى الآن، غير أن ثمة تلميحات سودانية كشفت عن عدم استبعاد الانضمام إليها. وبالتالي سيفرض على مصر أن تخوض معركة سياسية وقانونية بمفردها، إذا افترضنا أن الكونغو الديموقراطية غير مستبعد انضمامها. كما أن دولة السودان الجنوبي التي أصبحت العضو رقم 11 لحوض النيل بعد انضمامها رسمياً أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التوقيع. وقد تكون التلميحات السودانية التي ظهرت بين ثنايا تصريحات رسمية متفرقة تحمل معاني سياسية لبعض دول الحوض للحصول على ترضيات أو وقف سيناريوات عقابية ضد الخرطوم، وربما أيضاً تنطوي على رسالة تحذير للقاهرة، لكن لا يمكن تجاهلها، بخاصة أن الظروف السياسية الضاغطة التي يمر بها السودان وقدرته على استثمار المناورة واللعب على وتر التفاهمات في اللحظات الحرجة، تعزز من احتمال الانفصال عن مصر في ملف حوض النيل، الذي لا يحتل في اللحظة الراهنة، بحسب المعلومات التي عرفتها من مصدر قريب من ملف المياه، أولوية في أجندة الدكتور هشام قنديل رئيس الحكومة المصرية. وهذا اتجاه يسير عكس كل التوقعات. المسألة لا تتوقف عند عدم اكتراث القاهرة أو مناورات الخرطوم، بل تصل إلى حد وجود خلاف مكتوم، يسعى كل طرف إلى تطويقه أو التخفيف من أضراره بطريقته، منعاً لتفجر موقف يمكن أن تكون له تأثيرات جانبية خطيرة. ويدور الخلاف حول شروع السودان نفسه في بناء ثلاثة سدود. وقد تم الانتهاء من المرحلة الأولى من تعلية سد «الروصيرص» على النيل الأزرق والبدء في إنشاء سدين جديدين هما سد «عطبرة» وسد «ستيت». وعلى رغم التطمينات السودانية والتصريحات المصرية الإيجابية وبافتراض عدم تأثر الحصة المصرية من المياه، إلا أن فكرة البناء وتكرارها في السودان يوقعان القاهرة في حرج وتناقض بالغين، مع دول حوض النيل وإثيوبيا تحديداً. فهناك عدد من دول الحوض سوف تشرع قريباً في بناء سدود. ولم تفلح أديس أبابا في إقناع القاهرة أن سد «النهضة» الكبير لن يؤثر في حصتها. والصمت أو التفهم المصري حيال ما يقوم به السودان يصب في خانة رؤية مؤيدي اتفاقية عنتيبي، كما أن رفضها لما تقوم به الخرطوم علانية يمكن أن يفضي لأزمة سياسية، في ظل أهمية السدود الثلاثة للسودان. من هنا قد تقضي المصلحة انضمام الخرطوم لعنتيبي وتبقى القاهرة تغرد منفردة. وهذا أقسى سيناريو يمكن أن تواجهه مصر في ملف المياه.

 

رسائل مرتبكة وإشارات متناقضة

الملف الثاني، دولة السودان الجنوبي. عندما أعلن عن فوز الرئيس محمد مرسي، أرسلت جوبا إشارات عدة عبرت من خلالها عن القلق من أن يؤدي صعود نجم الإخوان المسلمين في مصر إلى انحياز سافر من القاهرة للخرطوم. لكن الإشارات التي تلقتها جوبا خففت من حدة هواجسها. وفي الواقع أن المخاوف سوف تظل موجودة، لأن هناك جهات تعمل على تغذيتها. ومطلوب من مصر أن تقدم عملياً ما يبددها. وهو ما يعني القيام بخطوتين: الأولى، العزف على وتر المشاريع الاقتصادية والمساعدات الإنسانية والتي كان الرئيس السابق حسني مبارك قطع شوطاً مهماً فيهما، وبالفعل، تبدو الحكومة المصرية الحالية معنية بهما وتواصل المسيرة التي بدأها مبارك. ويبقى أن تبدي المزيد من الاهتمام بهما، عبر ضخ رؤوس أموال جديدة تؤكد جدية مضاعفة. وهو تحرك تستطيع مصر أن تضرب به جملة من العصافير الاقتصادية والسياسية والأمنية لتعظيم الفوائد الاستراتيجية والحفاظ على الأمن القومي. والخطوة الأخرى، تتعلق بالحفاظ على الوقوف عند مسافة واحدة في علاقات القاهرة مع كل من الخرطوم وجوبا. فالقضايا الوعرة بينهما وتعقيداتها وتشابكاتها هي الاختبار الحقيقي لنيات مصر.

وما ظهر حتى الآن من تطورات يشير إلى عدم تغيير كثير من المعادلات الماضية. وخطورة الحياد السلبي أنه يؤدي إلى نتائج قاتمة في بعض الأحيان. بالتالي من المهم أن يكون في اللحظات الراهنة الحياد إيجابياً، من خلال الظهور في «كادر» التحركات السياسية، بالمبادرات الفردية أو الانخراط في التحركات الإقليمية والدولية.

الملف الثالث، حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان.

فالانقسام الذي بدأت ملامحه تطل في الآونة الأخيرة داخل صفوفه، سوف تكون له تداعيات على العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. حيث بدا أن هناك جناحاً يتمسك بثوابت الحركة الإسلامية يقابله آخر أكثر مرونة وبرغماتية. ولكل منهما حسابات قد تتقاطع أو تتباعد مع الإخوان. ولأن المعركة السياسية اتخذت اتجاهاً علنياً، ظهر في تصريحات للقيادي قطبي المهدي قبل أيام، فالمرجح أن تتريث القاهرة في أي خطوة، إن وجدت، حيال التعاون مع الخرطوم. فقد نرى في الأيام المقبلة صراعاً مكشوفاً يؤثر في بعض التوازنات السياسية. وفي كل الأحوال، استمرار الخلافات أو حسمها لمصلحة أي من الاتجاهين، سوف يلعب دوراً محدوداً، في التعرف إلى معالم الطريق الذي يسير فيه الرئيس محمد مرسي، لأن الميراث الذي يحكم العلاقة بين إخوان مصر والحركة الإسلامية في السودان ينفي وجود فرص كبيرة للتطبيع. وكل ما يطفو على السطح من غزل متبادل قد لا يتجاوز حدود المسكنات.

الملف الرابع، المعارضة المتصاعدة في السودان.

فالتظاهرات والتحركات التي قامت بها خلال الأسابيع الفائتة، تشير إلى تزايد قوتها، بما يحرج الخرطوم التي لا يزال نظامها يبدو متماسكاً.

والمشكلة أن القاهرة التي التزمت الصمت حتى الآن، ستجد نفسها في موقف صعب، لأن الإخوان صعدوا على أكتاف ما يسمى بثورات الربيع العربي. وهم أيضاً أيدوا وناصروا قوى المعارضة في ليبيا. وجاءت تصريحات الرئيس مرسي ضد نظام بشار الأسد في سورية مؤكدة لمواقفه في دعم تطلعات الشعوب في الحرية والعدالة والمساواة. وبما أن نظام الرئيس عمر البشير يفتقر إلى كثير من هذه الأدبيات، فاستمرار صمت مصر الرسمية يضعها في مربع، يفرض عليها المساواة في التقديرات أو الإعلان عن تأييد تصرفات الخرطوم، مع تسليمي بأن هناك فروقاً كبيرة بين ما يدور في السودان وما يجري في سورية مثلاً ومن قبلها ليبيا.

الملف الخامس، الولايات المتحدة الأميركية.

تتغير مواقف واشنطن بحسب احتياجات مصالحها، ولعل تجليات هذه المسألة كانت حاضرة بقوة في تحديد مسار توجهها السياسي مع كل من نظام الخرطوم وجماعة «الإخوان المسلمين». وقامت بعملية تبادل وتوافق مثيرة وصلت لدرجة التناقض الذي عبر عن مدى الارتباك الذي يخيم على تحركاتها. وإذا كان الارتباك سمة في غالبية تصرفات القوى الكبرى وقت التحركات المتسارعة، فإن التناقض أحياناً يأتي كنتيجة طبيعة للارتباك وفي أحيان أخرى يبدو صفة متلازمة للتعبير ازدواجية المعايير. وفي المشهد الذي نحن بصدد تشريح جسمه السياسي، نتوقف عند ملاحظتين:

الأولى، أن النظام السوداني استنفد (تقريباً) أغراضه بالنسبة إلى واشنطن، وما قبلته منه في وقت سابق ليست بحاجة الآن تكراره، لأن غض الطرف كان يرمي إلى ضرورة إنجاز خطوة انفصال جنوب السودان وعدم ارتكاب أي حماقة تعطل مسيرته. وبعد أن تحقق هذا الهدف أخذت واشنطن تكشف عن وجه قبيح وتكشر عن أنيابها مع الخرطوم. والملاحظة الثانية، تخص المرونة التي تظهرها واشنطن في التعامل مع القاهرة. لذلك سيكون الدور الأميركي عنصراً حاكماً في ضبط كثير من اتجاهات العلاقات بين مصر والسودان. كما أن أي محاولات مصرية للخروج عن هذا الطوق ربما تقابلها واشنطن بتصرفات عنيفة تفاقم المشكلات الداخلية التي يواجهها الرئيس مرسي.

المشكلة أن استجابة القاهرة للضغوط الأميركية، لا سيما إذا اصطحبت معها تصورات سلبية في شأن السودان، قد يدفع الأخيرة إلى تفجير ألغام (مثل حلايب والمياه والسدود) تبعثر أوراق القاهرة الإقليمية. وفي ضوء المعطيات السابقة ستظل العلاقات بين البلدين في زمن الإخوان ليست بعيدة عما كانت عليه في زمن حسني مبارك.

 

 

* كاتب مصري

 

 

Tags not available