«الراميانة» ملحمة الهند كما عرّبها وديع البستاني
عبده وازن
السبت ١ سبتمبر ٢٠١٢

للمرّة الأولى تخرج إلى الضوء ملحمة «الراميانة» الهندية الشهيرة في صيغة عربية نادرة أنجزها الشاعر وديع البستاني، سليل «البساتنة» الذين كانت لهم يد بيضاء في إحياء اللغة العربية والحفاظ عليها إبان الحقبة العثمانية الأخيرة المتزامنة مع عصر النهضة. سلك وديع، «اللبناني المولد والعشيرة والفلسطيني الإقامة والتوطن» كما يصف نفسه، مسلك عمّه سليمان البستاني معرّب «الإلياذة» الإغريقية وواضع مقدّمتها التي لا تزال منذ عام 1904 مرجعاً في النقد العربي، فعرّب «الراميانة» شعراً موزوناً ومقفّى، جاعلاً إياها في ما يقارب أربعة آلاف بيت، هي من عيون الصنيع الشعري العربي المسبوك بجزالة وإتقان والمصوغ بروح جمالية ونَفَس ملحمي شديد التماسك سرداً وإيقاعاً. وكان البستاني وضع اللمسات الأخيرة على مخطوطته في العشرين من آب عام 1953 «مهذباً الحواشي» كما يقول، ولكنه عوض أن يدفع بها إلى المطبعة خبأها في أدراجه فرقدت طوال تلك الأعوام، إلى أن قيّض لها أن تخرج أخيراً من عتمة الذاكرة وتصبح بين يدي القارئ العربي بصفتها منجزاً ملحمياً عربياً آخر يُضاف إلى «الإلياذة». والفضل في إخراج هذا العمل الفريد إلى الضوء إنّما يرجع إلى المترجم والناقد الأكاديمي الأردني خليل الشيخ، الذي أولى هذه المخطوطة كثير اعتناء، فحققها وقدّم لها ودقّق فيها تحاشياً للأخطاء الطباعية التي تؤذي نظام العروض، عطفاً على تحريره الحواشي التي لا غنى عنها البتة. وكان على مشروع «كلمة» (هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث) أن يتبنى إصدارها في طبعة أنيقة.

ولعل اكتشاف مخطوطة «الراميانة» المعرّبة، ونشرها بعد أكثر من نصف قرن على تعريبها، يعدّان حدثاً أدبياً وثقافياً معاصراً، وإن بدت صيغتها نهضوية الروح نظراً إلى «هوية» معربها الشعرية وانتمائه إلى المدرسة الكلاسيكية الجديدة التي حافظت على العروض والصنعة التقليدية. ولئن عربت هذه الملحمة مرات قبل صدور صيغة البستاني، فإنّ معظم هذه الترجمات الحديثة بدت مجتزأة ومتسرعة وخالية من الفعل الإبداعي والجهد، على رغم نثريتها التي تتسع عادة لمثل هذه الملاحم. أما البستاني فاختار الصنعة الأصعب التي خطفت من عمره أعواماً قضاها في التعريب أو في معاودة كتابة الملحمة شعراً بعدما تعلّم اللغة السنسكريتية التي كتبت بها أصلاً. لكنه طبعاً استعان بترجمة شهيرة للملحمة هذه إلى الإنكليزية كان أنجزها رومش داتل، لا سيما في تقديمه الفصول أو الأسفار، وبعض الترجمات الفرنسية، كما يشير الشيخ في المقدمة الضافية التي وضعها للكتاب. وهذا يؤكد الجهد العلمي الذي بذله البستاني في عمله الدؤوب. لكنّ اللغة السنسكريتية ظلّت هي المرجع الأساس له، كما في سائر الترجمات التي أنجزها البستاني ومنها «المهبراتة» علاوة على مختارات من شعر طاغور صدرت بعنوان «البستاني» عام 1917.

وكان البستاني سافر إلى الهند عشية الحرب العالمية الأولى على نحو فاجأ أهله وأصدقاءه. وكانت غايته وفق الشيخ، التعرف إلى منطقة مجهولة عربياً وتقديم أدبها وملاحمها التي كان قرأ عنها بالفرنسية والإنكليزية اللتين كان يجيدهما. سافر إلى الهند للمرة الأولى عام 1912 وأقام فيها عامين ثم عاد إليها عام 1915 بعد سنتين على فوز الشاعر الهندي الكبير طاغور بجائزة نوبل للآداب (1913) ومكث فيها عاماً. وكان على البستاني أن يتعرف إلى طاغور ويزوره ويحل عليه ضيفاً لثلاثة أيام، كما كتب في مقالة له نشرت في «الهلال» عام 1916، وفيها عبر عن إعجابه الشديد بطاغور، وقد جعله في مصاف الشعراء القديسين والأولياء والحكماء الكبار في التاريخ. وتبين له عندما تعرف إليه عن كثب أنه «يمتلك نفساً سامية، تنبعث من عينيه أشعة سنية وتسيل مع صوته الرخيم العذب نغمات».

 

فضاء مكاني

تعرف وديع البستاني (1888 - 1954) إلى الأدب الهندي من قرب وانصرف إلى قراءته والتعمق فيه وفي ظواهره ومدارسه وأنواعه الفريدة، وبخاصة النوع الملحمي الذي يختلف عن الملاحم الإغريقية. وكان وجد في ملحمة «المهبراتة» ضالّته الأولى فأكب على تعريبها شعراً موزوناً ومقفى، وفق عبارته الأثيرة التي كان يستخدمها «عربها شعراً». وقد وجد وجه شبه بينها وبين «الإلياذة» مثلما وجد شبها أيضاً بين «الأوديسة» و «الراميانة». وكي يكمل مهمته الشعرية والثقافية عرّب الملحمتين اللتين كما يقول، هما «صنع عصور» تعاقبت على نموهما إلى ما هما اليوم، ويرى أن قصة «الراميانة» أوفى وضوحاً «لتوحّد يد الإبداع فيها».

لم يعرّب البستاني الملحمتين كاملتين بل أوجزهما نظراً إلى ضخامتهما واحتوائهما الكثير من الأحداث والوقائع والتواريخ والأسماء ناهيك عن حكايات الحروب وأخبار المعارك. وتتميز «الراميانة» بـ«اتساع الفضاء المكاني، فهي تدور في أرجاء واسعة من الهند وخارجها وتصف مظاهر طبيعية متبانية، وتتداخل في أحداثها الخوارق والعجائب». إلا أن الإيجاز الذي اعتمده لم يسئ إلى بنية الملحمة ولا إلى أفقها السردي ومناخها الشعري والإنشادي ونفسها البطولي.

وعلى رغم متانة السبك اللغوي وقوة الديباجة المصوغة بتؤدة وبراعة فإنّ القارئ يشعر باكتفاء تساعده عليه مطالع الأسفار التي يلخص فيها المعرّب الأحداث نثراً ليواصل من ثم عمله الشعري في متن الملحمة. وقد أدرج النص الملحمي في اثني عشر سفراً، وكل سفر منفصل عن الآخر ومتصل به في آن. أما الأبيات الشعرية فبلغت ثلاثة آلاف وتسعمئة وخمسين بيتاً (3950). وهذا العدد الكبير من الأبيات يشهد فعلاً على ضخامة العمل و«على قوة شعرية عارمة وقدرة على منح الملحمة طابعاً شعرياً عربياً من خلال قوة التصوير وانسياب الجملة الشعرية»، كما يقول خليل الشيخ. وقد اعتمد البستاني التنويع في البحور انطلاقاً من وعيه الإيقاعي للملحمة أولاً ثم للعروض العربي الذي كان يجيده أيما إجادة. وقد توقف أصلاً عند إيقاع «الشلوكة» السنسكريتي المعتمد في الملحمة ودرسه قبل أن يسعى إلى النظم على منواله الإيقاعي في أحيان، ولعله يقارب بحر الرمل وفق رأيه. إلا أن بحر الوافر هو الذي غلب على الملحمة وتلاه بحرا الطويل والبسيط. أما القوافي فتنوعت بدورها وفق تنوع الأجواء والإيقاعات. وعلى غرار ما فعل سليمان في «الإلياذة» عمد وديع إلى تعريب أسماء الأعلام والأماكن والمصطلحات انطلاقاً من مدلولاتها وأبعادها واشتق في أحيان صيغاً تلائم هذه الأسماء. ومنها على سبيل المثل عنوانا الملحمتين المعروفتين باسميهما الرائجين «الرامايانا» و«المهابهاراتا» وقد شاء البستاني أن يعربهما وفق إيقاع اللفظ العربي.

 

عمل «متفن»

تتمتع «الراميانة» بخصائص نادرة في أدب الهند القديمة وأولاها أنها عمل «متقن». ومعروف أنها أكثر «أدبية» من رديفتها «المهبراتة». ويسند التقليد كتابة هذه الملحمة إلى شاعر يدعى فالميكي، وهو اسم يحيط به الغموض، بل يعده بعض النقاد ضرباً من السراب ويعدون ما قيل عنه أشبه بالخرافة. وفي رأيهم أن هذه الملحمة تضم لهجات وأساليب عدة على رغم حضور شخص كاتب قد يكون هو كاتبها الأخير أو صائغها الأخير. وقد وجدت الملحمة هذه خلال قرون متوالية بصفتها مجموعة «لاشكلية» من الأناشيد البطولية وأعيد صوغ هذه الأناشيد في قصيدة ملحمية عبر ما يسمى محترفاً شعرياً جماعياً شارك فيه شعراء كثيرون من بينهم فالميكي. وراحت القصيدة تخضع تباعاً للعمل الشعري أو الصناعة مرحلة تلو أخرى وكان أن وضع فالميكي في مرحلة متقدمة لمساته الخاصة عليها، مانحاً إياها شكلها الأخير. أما الملحمة فتسرد شعراً وقائع الهجوم الذي قاده الأمير راما لاجتياز الهند الوسطى والجنوبية، من نهر الغانج حتى بلاد التامول، سعياً إلى فتح جزيرة لانكا (سيرلانكا الحديثة). إنها إذاً، «التيمة» الملحمية المعروفة: فتح مدينة تقع خلف البحار وتدميرها. ولم يتم الوصول إليها لولا التدخل الإلهي الميثولوجي، ولم يحرز النصر لولا تحالف القوى.

تبدو «الراميانة» في صيغة وديع البستاني ملحمة عربية اللغة، موزونة ومقفاة وفق العروض العربي البهي الصنعة، لكن مضمونها هندي أسطوري نابع من أرض تضرب جذورها في عمق التاريخ. وقد نجح المعرّب في التقريب بين ذائقة القارئ العربي وعالم هذه الملحمة الشديد الغرائبية. وقد يجد قارئ التراث والقارئ الكلاسيكي في هذا العمل متعة كبيرة، نتيجة هذه الصنعة البديعة التي أتقنها البستاني أيما إتقان، مرسخاً البيان والبديع العربيين في صميم فعل الترجمة أو التعريب. وهذا العمل هو حتماً من عيون تراث الترجمة الذي شهده العالم العربي، قديماً وحديثاً.

آخر تحديث:
السبت ١ سبتمبر ٢٠١٢
حبيب حداد
الأحد ٢٦ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
السبت ٢٥ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٣
نيمار: سأوقع لبرشلونة غداً روسيا تخشى مواجهة جديدة مع «الأرامل السود» أوروبا تعد لاستهداف الجناح العسكري لـ «حزب الله» وعينها على ضلوعه في الحرب السورية "الجيش السوري الحر": كلمة نصر الله دجل بليون ونصف دولار تكلفة بناء مدينة ترفيهية في الأردن اليمن يطالب أوباما بالوفاء بتعهداته حول معتقلي غوانتنامو ملتح ملامحه عربية يطعن جندياً في باريس وفاة بريطانية بعد 24 ساعة من تعرضها لهجوم نمر اشتباكات بين جماهير البايرن ودورتموند قبيل النهائي الأوروبي "الإخوان المسلمين" ترفض فكرة إقامة مخيمات للاجئين السوريين في مصر نصرالله: نحن صناع انتصارات سورية .. والحريري يرد:خطابك يساوي صفراً مكعباً بكل المقاييس «يا ولدنا عد لنا».. وسيلة عائلات صينية في البحث عن أطفالها المخطوفين مصر وإثيوبيا تتفقان على عدم الإضرار بمصالح الطرف الآخر «هاكرز» يخترقون مواقع «قنوات سعودية» ويضعون علم الجزائر البرازيل تلغي 900 مليون دولار من الديون الافريقية الصين: اكتشاف 20 مقبرة أثرية تعود إلى عصر مملكة «هان» ايران تؤكد انها لم ترسل قوات عسكرية الى سورية العربي يقول إن "الربيع العربي" أتى بنظام جديد الى المنطقة هولاند يدعو القادة الافارقة الى قمة حول الامن في باريس نهاية 2013 خمسة قتلى في هجوم على حافلة تقل زواراً ايرانيين في العراق شواطئ نيويورك تفتح «أبوابها».. بعد 7 أشهر على إعصار ساندي اعمال الشغب في السويد تتوسع الى خارج العاصمة ستوكهولم السودان تمنع صدور صحيفتين بسبب انتقادات بيكهام يغيب عن تشكيلة «سان جيرمان» في ختام الدوري الفرنسي «أشباح» مقر رئيس الوزراء تثير جدلاً في اليابان! اردوغان: يوم الخلاص بات قريباً والمعارضة ستطيح الأسد قيادي في "الحراك الجنوبي" ينفي سيطرة القاعدة على مدن في حضرموت سورية: القوات النظامية و"حزب الله" يخوضان معارك ضارية في القصير.. وسط تقدم "بطيئ جداً" مسؤول إسرائيلي: سورية ردت على الغارات الإسرائيلية بشن هجوم.. "إلكتروني" توم كروز ينسحب من فيلم غي ريتشي.. بسبب «مهمة مستحيلة» الرئيس النيجري: منفذا اعتداءات النيجر دخلا من ليبيا الأردن: 15 ألف عسكري من 18 بلداً يشاركون في مناورات "الأسد المتأهب" ألمانيا: هجمات إرهابية محتملة.. تهدد مشجعي «أبطال أوروبا» العراق يشتري 150 ألف طن من الأرز التايلاندي مقتل 4 عناصر من الشرطة العراقية بانفجار شمال بغداد «رقصة» رئيس طاجيكستان تتسبب في حجب «يوتيوب» هيئة حقوقية مصرية تتقصى الحقائق بخصوص إصابة 150 طالباً جامعياً بتسمم غذائي ماكين: الولايات المتحدة تريد إنشاء مناطق حظر جوي في سورية المرشح لرئاسة بلدية نيويورك يضع على موقعه صوراً لناطحات سحاب من مدينة أخرى غواتيمالا تسلم الرئيس الأسبق للبلاد إلى الولايات المتحدة لمحاكمته مصر ترد ضريبة استحواذ "قطر الوطني" على "الأهلي" للمساهمين غداً قبل النهائي المرتقب: بابا الفاتيكان يحمل الرقم 1 في قميص روما الإيطالي الملك الأردني: لا بد من حل سياسي يوقف الإنقسام الخطير في سورية «نحن نسرق الأسرار» .. قصة «ويكيليكس» النسور: عجز المديونية في الأردن وصل إلى 75% من الناتج المحلي إيران: روسيا والصين ستشاركان في مؤتمر "أصدقاء سورية" في طهران طفل في الرابعة ينقذ والدته من الموت.. عمداً "الحرس الثوري الإيراني": لدينا آلاف الصواريخ لاستهداف مصالح "الأعداء" المطلك: نخشى سيطرة القوى المتطرفة على سورية روسيا: "الدوما" يقر موازنة 2013 مقتل شخصين على الأقل بتحطم طائرة في نيويورك «غوغل» تريد ربط آسيا بأفريقيا عبر «الواي فاي»
[بيروت]
راسلونا إن كان لديكم أي اقتراح أو أي مشكلة.
جاري الإرسال
لقد تم الإرسال
فايسبوك كونكت Facebook Connect تخوّل للمستخدمين امكانية استعمال بيانات الدخول الخاصّة بهم على فايسبوك للدخول الى الموقع دون الحاجة للتسجيل.

كما يمكنكم ان تتصلوا بسهولة بأصدقائكم الموجودين مسبقا على فايسبوك.