|   

بحث نادر لطه حسين في حلّ معضلات النحو العربي

Print A+ a-
الجمعة، ٢٤ آب ٢٠١٢ (١٥:٢٨ - بتوقيت غرينتش)
الجمعة، ٢٤ آب ٢٠١٢ (١٥:٤٢ - بتوقيت غرينتش) القاهرة - صلاح حسن رشيد

منذ أن اضطلع علماء اللغة بالتنظير والتقعيد، لم يستطيعوا الخروج من دائرة الشواهد الشعرية، بل حصروها في «الشعر الجاهلي»، متجاهلين القرآن الكريم كرافد أساسي، ومصدر رئيس، لا غنى عنه، عند التقعيد لأصول لغة الضاد. وهو خطأ مشين، وسقطة لا تُغتَفر، إذ حصروا جهودهم في تتبع لهجات القبائل العربية، مُتناسين أن كتاب الله تعالى هو الذي ارتقى بالعربية إلى العالمية، فضَمِن لها الخلود والبقاء، وأمدَّها بشرايين النمو والتجدد والحياة، حتى أصبحت أُم اللغات، ومعجزة الزمان. ظل الحال هكذا، إلى أن جاء طه حسين(1889-1973م)، فشعر بعجز النحو العربي عن استيعاب كثير من القضايا والمسائل اللغوية، عند مقارنته بما يتضمنه القرآن الكريم من معين ثر، وقواعد وأصول، يخالف فيها ما قعّده النحاة الأوائل. فقارن بين الأمرين، إلى أن قادته سليقته اللغوية إلى أن ما ظنه النحاة والمستشرقون من قبيل الاختلاف مع القاعدة النحوية، هو من باب رد الأمور إلى نصابها، والعودة من جديد للتقعيد للنحو العربي بالاعتماد على القرآن الكريم كمصدر أساسي، قبل الشعر الجاهلي، لأن هذا يحل كثيراً من مغاليق النحو، ويفتح شرايينه المسدودة. وهو يرد- كذلك - على ادعاءات المستشرقين، بأن في القرآن أخطاءً نحوية، وهو غير صحيح، بسبب تجاهل النحاة العرب للقرآن عند التنظير والتقعيد للنحو.

هذا البحث النادر والنفيس، لم ينشره طه حسين ضمن مؤلفاته، وكان ألقاه أمام مؤتمر المستشرقين الـ 17 في جامعة أكسفورد عام 1928 تحت عنوان «ضمير الغائب، واستعماله اسم إشارة في القرآن الكريم». انتهى طه حسين في بحثه، بعد دراسة طويلة، إلى أن «علم النحو العربي - كما هو الآن - لا يكفي لتفسير القرآن الكريم، وتخريجه من الوجهة النحوية الصرفة»، طارحاً أهمية «وضع نحو خاص للقرآن الكريم، لأنه يزيل ما يعلق بنفوس بعض المستشرقين من الشك، حين يقرأون القرآن، مُستنيرين بالنحو القديم، فيرون بينه وبين هذا النحو ضروباً من الخلاف، فيَعْجَلون، ويقضون بأنّ في القرآن خطأ نحوياً. والواقع أنّ القرآن لمْ يُخطِئ، وإنما قصَّر النحويون حين وضعوا قواعد النحو، فلم يستوعبوا القرآن والشعر، ولم يستقصوهما». وجال طه حسين في كتاب الله تعالى، بعينٍ فاحصة، فدرس ضمائر الغائب، ووجدها تخالف ما نصَّ عليه النحاة في كتبهم، في القاعدة النحوية الشهيرة، التي تقول: «إنّ ضمير الغائب يجب أن يعود إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورُتبةً، وأن يطابق هذا المذكور في التذكير والتأنيث، وفي الإفراد والتثنية والجمع». فرأى طه حسين اللغوي أنّ هذا الكلام لغوٌ، لا طائل من ورائه، وأنه يُصادم مئات الآيات القرآنية، التي وردت خلاف ذلك. يقول إن «هذه القاعدة شاملة لا يقبل النحويون فيها استثناءً، فإنْ عرض ما يُوهِم تأخُر المرجع عن الضمير تأوّلوا وتكلّفوا لإثبات أنّ هذا التأخر اللفظي لا يستلزم تأخر الرُّتبة. وهم، على كل حالٍ، لا يقبلون استثناءً في قاعدة المطابقة بين الضمير ومرجعه، ولكنَّ هذه القاعدة - بجُزْءَيها - إنْ اطَّردتْ في الشِّعر والنثر، فهي لا تطَّرِد في القرآن الكريم، ذلك أنّ في القرآن الكريم ضمائر لا تعود إلى مذكورٍ يتقدَّمها لفظاً ورُتبةً. بل فيه ضمائر يظهر أنها تعود إلى مذكورٍ، ولكنها لا تُطابِقه تذكيراً وتأنيثاً، أو إفراداً وتثنيةً وجمعاً».

وقد حصر طه حسين الضمائر في أنواعٍ تسعة، هي: «الأول، ضمائر يُراد بها الذين تعوَّدوا حوار النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومُجادلته، واستفتاءه في مكة والمدينة، من المسلمين وغير المسلمين. ومن هذا النوع، كل الآيات والجُمَل، التي تبتدئ بقوله تعالى: «يسألونك». وكذلك قوله تعالى: «أم يقولون افتراه» فالواو راجعة إلى المشركين من أهل مكة، وهم لم يُذْكَروا، وفعل افترى راجِعٌ إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، وهو لم يُذْكَر، ومفعوله راجع إلى القرآن، وهو لم يُذْكَر».

الثاني: الضمائر التي يُراد بها القرآن، ومنها قوله تعالى: «إنّا أنزلناه في ليلة القدر». والثالث: الضمائر التي يُراد بها النبيّ (صلى الله عليه وسلم) نفسه، ومنها قوله سبحانه: «عبس وتولّى».

والرابع: الضمائر التي تعود إلى الأفعال، وذلك حين يأمر الله بأمرٍ، أو ينهَى عنه، أو تأكيد الأمر والنهي، ومثال ذلك قوله تعالى، في سورة البقرة: «ومن حيث خرجتَ، فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وإنه للحقُّ من ربك». وقوله عزَّ من قائل، في سورة المائدة: «اعدلوا هو أقرب للتقوى». وقوله عز وجل في سورة الأنفال، بعد أن بيَّن أحكام الموالاة بين المسلمين والكافرين:» إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض».

الخامس: الضمائر المُبْهَمة، وهي على قسمَين، أحدهما يعود إلى مُتَقدِّم، ولكنه لا يُطابقه كقوله تعالى، في سورة النساء: «وآتوا النساء صدقاتهنَّ نِحلةً، فإن طِبْنَ لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً» فالهاء في «منه» ظاهرة الرجوع إلى الصدقات، ولكنها لا تطابق الصدقات في الجنس، ولا في العدد. ولهذا قال الزمخشري في الكشّاف: «إنّ هذه الهاء بمعنى اسم الإشارة، كأنه قال: فإنْ طِبن لكم عن شيء من ذلك نفساً».

والقسم الثاني: ضمائر لا ترجع إلى متقدم، ولكن يُفسِّرها مُتأخِّر لفظاً ورُتبةً، كقوله تعالى: «إنْ هي إلاّ حياتنا الدنيا».

والنوع السادس: الضمائر التي تقع في آيات التشريع، كقوله تعالى، في سورة البقرة: «الطلاق مرّتان، فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان، ولا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنَّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألاّ يُقيما حدود الله» فالألف في(يخافا) راجعة إلى الزوجَين اللذين لم يُذْكَرا.

وأوضح مثال لهذا النوع - أيضاً -: «آية الميراث في سورة النساء، فالضمائر التي تعود فيها إلى غير المذكور كثيرة»!

السابع: الضمائر التي يُفْهَم مرجعها من النَّص، كقوله سبحانه، في سورة النحل: «ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة» فالهاء راجعة إلى الأرض، التي لم تُذْكَر. وقوله تعالى لإبليس: «اخرج منها فإنك رجيم» فالهاء راجعة إلى الجَنَّة، التي لم تُذْكَر».

الثامن: الضمائر التي تعود إلى (مَنْ) من دون أن تُطابقها جنساً أو عدداً. والنحويون يقولون: إنَّ الضمير يرجع إلى»من» باعتبار لفظها، فيُفْرَد، ويُذَكَّر، وباعتبار معناها، فيُطابق هذا المعنى جنساً وعدداً، ولكنَّ رجوع الضمائر إلى الألفاظ مرّةً، وإلى المعاني مرةً، لا معنى له، فأنت لا تقول: حمزة أقبلتْ، مُراعاةً لتأنيث اللفظ، وإنما تقول: حمزة أقبل، مراعاةً لتذكير المعنى، ولو جاز إرجاع الضمائر إلى الألفاظ مرةً، وإلى المعاني مرةً أخرى، لأصبحت اللغة والنحو ضرباً من اللَّعِب! والواقع أن الضمائر ترجع إلى (مَن) في القرآن الكريم مُفردةً في أكثر الأحيان، كقوله تعالى:» مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومَنْ جاء بالسيئة فلا يُجْزَى إلاّ مثلها» ولكنها ترجع إلى (مَنْ) مُطابقةً في الصلة، وغير مُطابقة في الصفة أو الخبر، كقوله سبحانه، في سورة البقرة: «فمن تَبِعَ هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون».

 

قاعدة ذهبية

وتوصَّل طه حسين ببصيرته الثاقبة، إلى أنَّ» ضمير الصلة مُفرد في القرآن الكريم دائماً إلاّ في مرَّتَين اثنتين، وهما قوله تعالى: «ومنهم من يستمعون إليك» وقوله سبحانه: «ومن الشياطين من يغوصون له، ويعملون عملاً دون ذلك» فأمّا ما عدا الصلة فلا تتحقق فيه المطابقة. غير أنّا نجد أحياناً الضمير- كما رأينا في المثال السابق- وأحياناً اسم الإشارة كقوله تعالى، في سورة البقرة: «بلى من كسب سيئةً، وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

وأكثر من هذا أن عدم المطابقة ليس مقصوراً على(مَن) فقط، بل يتجاوزها إلى (الذي) مع أنَّ (الذي) مفرد قطعاً، فلا يصح أن يرجع الضمير إلى لفظه مرةً، وإلى معناه أخرى. فمن ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: «والذي جاء بالصدق وصدَّق به، أولئك هم المتقون». وقوله سبحانه في سورة البقرة: «كالذي يُنفق ماله رئاءَ الناس، ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوانٍ عليه تراب فأصابه وابلٌ فتركه صلداً، لا يقدرون على شيء مما كسبوا». بل لا يقتصر عدم المطابقة على (من، والذي) وإنما يتجاوزهما إلى أسماء مُظْهَرَة، منها العام، ومنها الخاص. فمن الأول: قوله تعالى في سورة الأحقاف:» ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانا» إلى قوله «أولئك الذين نتقبّل منهم أحسن ما عملوا». ومن الثاني: قوله جلَّ شأنه، في سورة طه: «اذهب إلى فرعون إنه طغى، قال ربِّ اشرحْ لي صدري، ويسِّرْ لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي».

فعدم المطابقة - إذن - ليس من خصائص الضمير، ولا من خصائص الأسماء الموصولة، وإنما هو أسلوب من أساليب القرآن الكريم، إذا أمكن ضبطه وتحديده، فقد أمكن حل مسألة الضمائر غير المطابقة، أو التي لا مرجعَ لها!

ويهتدي «طه حسين» إلى القرآن الكريم يستعمل أحياناً أسماءً عامة، أو خاصة، وهو يريد أنَّ هذه الأسماء تدل على أصحابها أولاً، وتُمَثِّل جماعاتٍ أخرى ثانيةً، أي أنَّ هؤلاء الأشخاص ممتازون، لهم من المكانة في حياتهم الاجتماعية ما يجعلهم عنواناً لقومهم، فالضمائر التي تعود إلى أسماء مفردة مطابقة هي الضمائر التي تحدد أشخاصهم وتميزها، حتى إذا تمَّ هذا التحديد والتمييز، لم تعد الضمائر إلى هؤلاء الأشخاص، وإنما عادت إلى الجماعات التي يُمثِّلونها، ففرعون - مثلاً - يعود إليه الضمير مفرداً، في قوله تعالى: «إنه طغى» ومِن حيث إنه يمثل المصريين، فالضمير في (يفقهوا قولي) لا يعود إلى فرعون وحده، وإنما يعود إليه وإلى المصريين.

والإنسان، في آية الأحقاف السالفة، يراد به أبو بكرٍ الصديق، كما قال المفسرون، ولكنَّ أبا بكرٍ عنوان لطائفة من المسلمين أخلصوا في إيمانهم، وبِرِّهم وخضوعهم لله، فيرجع الضمير أول الأمر إلى أبي بكر مفرداً ليحدده ويميزه، ثم يرجع الضمير بعد ذلك جمعاً إلى أبي بكر ونُظَرائه».

النوع التاسع: ضمير الشأن، الذي يرى طه حسين أنه فقد معناه، وأصبح أداةً لفظيةً، لتقوية الجملة في القصص القرآني، وفي الوعد والوعيد.

هذا الحل واضحٌ في نفسه، وهو مفهوم من النحو المنطقي الصرف، ومن القرآن الكريم نفسه، الذي يحل هذه المشكلة حلاً لا شك فيه، ذلك أنَّ الآيات التي لم تتحقق فيها المطابقة، والتي تبلغ نحو المئة قد ورد فيها اسم الإشارة سبعاً وأربعين مرةً، وورد فيها الضمير ثلاثاً وأربعين مرة.

إذا، فالقرآن الكريم يستعمل في هذه الآيات الضمير واسم الإشارة على السواء. وإذن، فالضمير في هذه الآيات بمعنى اسم الإشارة. ونحن نعلم أن اسم الإشارة لا يلزم أن يرجع إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورتبةً، وإنما يجب أن يرجع إلى المشار إليه، وأن يطابقه عدداً وجنساً، سواء ذُكِر هذا المشار إليه أو لم يُذْكَر.

ويُنادي طه حسين النحاة واللغويين العرب بضرورة «تطبيق هذه القاعدة التي توصّل إليها، على كل الضمائر التي لا مرجع لها، أو التي لا تُطابق مرجعها، بحيث تؤخذ هذه الضمائر على أنها أسماء إشارات» بدلاً من التعسُّف والتمحُّل والتكلُّف وراء ألغاز وأحاج وتخريجات يضرب بعضها عنق بعض، حتى أفسدت ذائقة اللغة العربية وجمالياتها الواسعة.

Tags not available