|   

صرخة طفولية لحماية الأرض

Print A+ a-
الأربعاء، ٢٧ حزيران ٢٠١٢ (١٥:٣٤ - بتوقيت غرينتش)
الأربعاء، ٢٧ حزيران ٢٠١٢ (١٥:٤٦ - بتوقيت غرينتش) الرباط - ناديا بنسلام

وقف تلاميذ «مدرسة الشهيد بن عفو إسماعيل الابتدائية» يتقاسمون الأدوار في ما بينهم، واحد مثّل الرمال وآخر الانجراف وثالث السهوب... وآخرون تقمّصوا أدوار نباتات وأشجار مقاومة للتصحر، ولعب المعلم دور المحافظة التابعة للدولة.

تبدأ المسرحية بشنّ هجوم على السهوب الجزائرية «لباسك الجميل سأنزعه عنك بكل ما أوتيت من قوة. سيساعدني الفلاح بحرثه العشوائي وبرعي أغنامه». والسهوب، منطقة شاسعة ذات مناخ جاف وشبه جاف تمتد على ملايين الهكتارات من الحدود المغربية إلى التونسية، كتيبة مميتة من عوامل التصحر يدعمها، إلى جانب النشاط البشري المكثف، انجراف التربة وزحف الرمال وشح المياه. فتجيب: «النجدة، أنا السهوب. أنا موطن الشاة. أنا الجزائر. كيف أصبحت أسيراً بين أيدي هؤلاء؟».

واصل الفلاح حرث أرضه، لكن مع مرور الوقت لم يعد راضياً بمحاصيله القليلة، لأن الأرض استُنزِفت بحرثه المتواصل العشوائي. الآن هو أمام مشكلة أمنه الغذائي، كيف السبيل إلى حلّ هذه المعضلة؟. الهجرة؟ تختمر فكرة الهجرة عند الفلاح عندما تتدهور الأرض ويفقد وسائل عيشه.

ترك الفلاح أرضه الجرداء عرضة للرياح والرمال ورحل.

هاجر بحثاً عن أرض أخرى حاملاً معه محراثه وحيرته: «لا أدري لماذا لم تنجح الزراعة هناك؟».

شرعت الرياح تحمل الرمال إلى الأرض المهجورة، وكأنها تصنع لها قبراً «هكذا يثبت الرمل إلى الأبد» قالت بشماتة.

ابتسمت الرمال في تهكم وتشفّ وأجابتها: «نعم، سأبني لهذه الأرض إقامة جيدة».

بعض من مقتطفات حوار في مسرحية من كُتيّب صغير مصور موجّه للأطفال أعدته المحافظة السامية لتطوير السهوب التابعة لوزارة الفلاحة والتنمية الريفية في الجزائر العام الماضي. المهاجمون فيه ليسوا الإرهابيين التقليديين هذه المرة، لكن هجومهم قد يؤدي إلى نزاعات مستديمة، وتسلّح وإراقة دماء الأبرياء. ولكنه يحاكي ما بيّنته خريطة للأزمات العنيفة في العالم بأن 80 في المئة من النزاعات المسلحة التي أودت بحياة مئات الأشخاص وقعت في الأراضي الجافّة في عام 2007. ويلعب التصحر تهديداً مباشراً للأرض، ولا يزال الوعي بمخاطره متأخراً إلى حدّ ما، ومن أهمّه تهديد الأمن والسلم.

تعتبر أساسية وحيوية توعية النشء بالممارسات الخاطئة التي تؤدي إلى تدهور الأراضي والتصحّر، فهو سيرث الأرض ويحدّد بممارسته، خاطئة كانت أو صائبة، مصير الأرض ومستقبلها. وليس أقل أهمية إشراك وسائل الإعلام في توعية النشء وتلقينه مسؤولية الحفاظ على الأراضي والتربة التي هي مصدر طبيعي محدود وغير متجدد، بعكس عدد من المصادر المتجددة، التي يكثر مع ذلك الحديث عنها لأنها مهدّدة بالنضوب.

مطلوب توفير 175 إلى 220 مليون هكتار من الأراضي الإضافية الصالحة للزراعة، على سبيل المثال لا الحصر، لإطعام أفواه تسعة بلايين من البشر بحلول عام 2030، بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة العالمية «فاو». ولا بد من تذكير صنّاع القرار، أثناء وضع سياستهم، بنتائج الدراسات العلمية من أجل تنمية مستدامة ضامنة للأمن الغذائي. هذا الرقم الضخم، يتزامن مع مفارقة مقلقة لرقم آخر ينذر بخسارة قطع من الأراضي المُنتِجة بحجم ملعب كرة قدم، كل دقيقة، بحسب ما تبيّن وثيقة أممية. ويحدث أنه في المناطق الجافّة أن يتحوّل سنوياً 12 مليون هكتار من الأراضي إلى صحارى بسبب النشاط البشري والجفاف، في حين أن تلك المساحة يمكن أن تنتج 20 مليون طن من البذور.

لأجل هذا الهدف، اجتمعت في الجزائر العاصمة في الفترة من 29 إلى 31 أيار (مايو) الماضي مجموعة من الصحافيين الأفارقة والجزائريين بمبادرة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، وبتنسيق مع وزارة الفلاحة والتنمية الريفية في الجزائر حيث أكد وزير الفلاحة الجزائري إن وسائل الإعلام «مساهم أساسي» في الهدف الذي وضعته اتفاقية التصحر الأممية في المدى المنظور، وهو التوصل إلى «درجة الصفر في تدهور الأراضي» (Zero Net Land Degradation ).

نوع من الحياد البشري إزاء الأراضي يستند إلى تنمية مستدامة تقوم على وقف تدهور التربة واستعادة الأراضي المتدهورة، توصّل إليه اجتماع أفريقيا في أديس أبابا في تشرين الأول (أكتوبر) 2011. وتطاول التداعيات المباشرة لتدهور الأراضي بليوني نسمة يعيشون في مناطق قاحلة وجافة وشبه جافة، والمشكلة أن اعتقاداً شائعاً بين صناع القرار والمستثمرين أن المناطق الجافة بلا قيمة وعبء اقتصادي على أصحابها، لكن هذا الأمر يصبح مختلفاً عندما تستعاد التربة.

وقادت زيارة إلى ولاية الجلفة الواقعة في المنطقة السهبية على بعد 350 كلم من العاصمة، حيث تتواصل جهود حثيثة منذ الاستقلال لوقف التصحر، إلى الوقوف على حقيقة أن استعادة الأراضي المتدهورة ممكنة ومربحة ومضادة للهجرة والفقر.

لتصبح أبيات نشيد «تلميذ السهوب» لتلاميذ «مدرسة الشهيد بن عفو إسماعيل» في ولاية الجلفة:

«فهبوا يا بني قومي... يغرس كل أراضيه

فزحف الرمل مقترب... وجرف التربة حاديه

وحرث التربة بالفوضى... يزيد تماديه

وشاة الراعي تنتظر ... يرعى جائر فيه»

دعوة الكبار إلى التفكير بحكمة في مستقبل الأرض التي سيتركونها لأبنائهم.

Tags not available