باسل شحادة كاميرا حتى الموت
عامر مطر
الأحد ٣ يونيو ٢٠١٢

لم تُغلَق عدسة الكاميرا بعد، المشهد مُستمر. ينام في التابوت، ورفاقه يحملون صوراً لابتسامته، ويُغنون: «جنّة، جنّة، جنّة... تسلم يا وطننا». يرقصون حول الشهيد، وهو يتنفس في كل الصور.

قبل أيام، كان المخرج السينمائي الشاب باسل شحادة يحمل كاميرته في حمص، يسعى إلى توثيق مجزرة الحولة التي قُتل فيها أكثر من مئة شخص نصفهم أطفال. يلتقط التفاصيل، ينتزع من الموت مشاهد للحقيقة، وثيقة لمحاسبة المجرمين، ويعلّم الشبان كيف يتعاملون مع العدسة كما لو أنها عيونهم، لأن العالم يرى من خلالها أحلامهم، يرى الحريّة التي يصبون إليها. يعلّمهم أن يكونوا «مراسلين بصريين» للثورة في ظل نظام يُقصي وسائل الإعلام عن أرض يحرقها بما عليها من بشر وحجر، كأنها يملكها ويملكهم. لكن باسل الآن في تابوت، وكاميرته بعيدة ومقتولة مثله، بفعل قذيفة أطلقها «حماة الديار»، سرقت حياته وجزءاً من الحقيقة القاسية التي أراد حمايتها وبثّها للعالم من حمص.

يقف «مغني الثورة» عبدالباسط الساروت قرب التابوت، حاملاً لافتة كتب عليها: «يا يسوع، يا يسوع... عن ثورتنا ما في رجوع». تضامن كهذا من الشاب الدمشقي المسيحي الشهيد، ليقول إن مسلمي البلاد ومسيحييها يد واحدة و «الشعب السوري واحد»، عدوّه واضح، وشبيحته هم الذين منعوا الناس من الوصول إلى حيث كان سيقام قدّاس لراحة نفسه في منطقة القصاع في العاصمة. بل نقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن البعض ضُرب والبعض الآخر أُرهِب، وأحيط بيت أهل باسل بالشبيحة ما استدعى «رسائل الإنذار» على «فايسبوك»، لتحذير محبّي الشهيد وأصدقاءه من زيارة أهله لتعزيتهم لأن العواقب لن تكون مضمونة.

وما زال المشهد مستمراً، رقص الجميع بتابوته، وسيستمرون في رقص الثورة، بدليل التظاهرات الجمعة الماضي تحت شعار «أطفال الحولة مشاعل النصر». على رغم الموت والدم يستمرون، مسلّحين بكاميرته الغالية، وهو يتنفس في الصور، باسلاً وباسماً.

أعادتني لافتة الساروت إلى عشية الثورة، ليلة 28 كانون الثاني (يناير) 2011، حين غنّى شهيد السينما السوريّة: «هبّي يا رياح التغيير»، مع العشرات من أصدقائه أمام السفارة المصرية في دمشق. لما بدأ أول الصوت المصري في الساحات، رحنا نجرّب حناجرنا، ونخاف أن نموت من الحسرة. قلنا حينها، باسل وأنا وصديقات ثلاث، أن مجرد اشعال الشموع أنفع من الصمت، وقد تتحول الشمعة إلى صوت. انطلق نقاش طويل ومغلق على «فايسبوك»، واتفقنا على دعوة الأصدقاء لإشعال الشموع أمام السفارة، للتضامن مع شهداء الساحات المصريّة. مسّنا جنون جميل حينها، وأرسل باسل الدعوة من هاتفه الخليوي إلى الأصدقاء، على رغم الحذر من استفزاز نظام يرتجف خوفاً من رياح التغيير. وصلتُ ليلتها مع لافتات صغيرة كُتب عليها «نعم للحريّة»، للتضامن مع شهداء الساحات الحالمة بوطن حر. كان الحضور الأمني كثيفاً، وباسل حضر قبلنا، مع ابتسامته التي يعرفه الكل بها، وانتظرنا مع مجموعة من الأصدقاء، وطلب عناصر الأمن تفاصيل بطاقته الشخصية، ليراجعهم صباح اليوم التالي.

شموع، ولافتات، وأغانٍ تحلم بالتغيير يصلنا... من هنا بدأت الثورة، لم يغادر السوريون الشوارع بعدها، وربما خجلت الريح من حناجرنا، وهبّت على سورية.

وصلت الريح إلى كل الشوارع السوريّة، وسرقت أصدقاء كثراً، آخرهم باسل، حتى تمنّيت لو أنني متّ قبلهم في ساحة ما، في زنزانة ما، خير من العيش بذاكرة تحولت مقبرة جماعيّة. لكنني أستعيد ابتسامة باسل، وصوت الموسيقي ربيع الغزّي الذي قتلوه قبل أيام أيضاً، فأمسك بأحلامهم وأفكّر بالعودة إلى سورية، كما فعل شهيد سينما الثورة الذي ترك منحة لدراسة السينما في الولايات المتحدة، وعاد لأن الثوّرة تُعلّم أكثر، كما كان يقول.

 

حديث الوصايا

كان قراره حكيماً، شعرنا بذلك على رغم خوفنا عليه. فلتوثيق الملحمة متعة استثنائية: أن يصوّر السوري حلمه بكاميرا ويواجه رصاصة قناص من دون خوف، لأن الموت في الشوارع درب إلى طرق مفتوحة، وأن الكلمات الأولى للثورة كانت «الموت ولا المذلة».

تهيمن الوصايا على أحاديث الكثير من السوريين هذه الأيام: «إذا حصل لي شيء...». فكل تحرّك وكل فعل قد يؤدي إلى الموت أو الغياب في شكله السوري الغريب الذي لا يشبه الاعتقال ولا الخطف، لا يشبه إلا الغياب الغامض. لكن الموت أجمل، قال لي مُسنّ حوراني في سجن القابون العسكري.

قال باسل لصديقته في آخر زيارة له إلى دمشق، إن موته قريب وأنه يفضل العودة إلى حمص، إذ أحسّ بالغربة في دمشق بعد تجربة حياة الحريّة في مناطق الثورة المحررة. صدق حدسه بالموت، ولا بد من أن يتحقق حلمه بسورية الملوّنة والديموقراطية. أتخيل الفيلم الذي صوّره في حمص، ولم يتسنّ له إكماله، كان يلاحق أبطالاً لا نعرفهم، كما أسرّ لحبيبته. يوثّق يوميات حمص القاسية، لتخرج مبتسمة في فيلمه.

أتذكّر فيلم «بونجور» الذي أخرجه قبل الثورة بسنة، وكنتُ جزءاً منه. عمل معنا في مخيمات السوريين المهجرين من الشمال إلى الجنوب بفعل الجوع والجفاف والإهمال. أشاهده للمرة المئة وأستغرب: كيف استطاع تحويل القهر إلى فرح؟

أخاف من ذاكرتي، وأعلّق على جدار غرفتي صورته بلا شريط أسود، في محاولة شجاعة، لتقليد صديقي الشهيد، لأترك كل الأشجار والشوارع هنا، وأحمل كاميرتي إلى شارع سوري، تتحقق فيه الأحلام كل يوم.

 

المخرج في سطور

 

< ولد المخرج السينمائي السوري الشاب باسل شحادة في دمشق عام 1984، درس المعلوماتية في جامعتها وتخرج عام 2006 بمرتبة جيد. عمل في وزارة الثقافة، ومن ثم في مركز الأمم المتحدة في دمشق حتى عام 2011، حين قدم استقالته ليتفرغ للإخراج والتصوير. اعتقل في دمشق عقب مشاركته في الاحتجاجات السلمية في تظاهرة الميدان الشهيرة في تموز (يوليو) 2011.

حصل على «منحة فولبرايت» المرموقة، فسافر إلى الولايات المتحدة الصيف الماضي، ليدرس الإخراج السينمائي لكنه فضل التخلي عن المنحة والعودة إلى سورية في خريف العام ذاته.

اختار باسل أن يكون في حمص منذ أكثر من خمسة أشهر ليساعد الناشطين هناك في توثيق وتصوير ما يحدث، وساعد في وضع لمسة احترافية على فيديوات الثورة التي انتشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كجزء من موهبة فريدة وجرأة كبيرة في تحد لآلة القمع، وإظهار الحقيقة ونقلها الى العالم. درّب شحادة العديد من الناشطين على آليات التصوير والتوثيق والإخراج، ولعل أبرز تلامذته كان أحمد الأصم الذي استشهد معه في المكان ذاته، جراء قصف من مدفعية الجيش السوري في حمص باب السباع. ومن الجمل التي عبرت عنه وكان يكرّرها دائماً: «الإنسان الحر هو من لا يخاف مجاراة أفكاره على اتساعها».

> التعريف من صفحة جمعية «دوكس بوكس» السورية المتخصصة في السينما الوثائقية على «فايسبوك».

آخر تحديث:
السبت ٢ يونيو ٢٠١٢
حبيب حداد
السبت ٢٥ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٣
حبيب حداد
الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٣
تصادم شاحنة تسبب في انهيار جسر بولاية واشنطن حظر اكبر شبكة للتواصل الاجتماعي في روسيا "بطريق الخطأ" صندوق النقد سيبحث قضية لاغارد في الايام المقبلة السجن لفرنسي في مراكش بتهمة الاتجار بالمخدرات عرض سماوي نادر لثلاثة كواكب هذا الاسبوع الفائز بـ «يوربا ليغ» يتأهل إلى دوري الأبطال «شبح بلمختار» يتبنى هجومي النيجر مؤكداً نقل «معركة مالي» إلى دول الجوار القضاء التونسي يسجن 12 سلفياً تورطوا في اعمال عنف سفارة المملكة في بريطانيا تنصح رعاياها بعدم الاستجابة لـ«الاستفزازات المحتملة» المعارضة السورية تطالب النظام بـ"بادرات حسن نية" قبل جنيف-2 إسرائيل: بامكانكم أن تتسلحوا ضد لبنان وسورية رفع علم فلسطين فوق قمة إفرست هل تستطيع المعارضة السورية التوحد قبل المحادثات مع النظام؟ تركيا تحظر الإعلان عن «الخمور» وتزيد القيود على بيعها نجاة مسؤول امني عراقي رفيع من محاولة اغتيال جنوب تكريت "اير شاينا" تطلب شراء 100 ايرباص 320 بمبلغ 8,8 بلايين دولار جداران تركيان على الحدود السورية للحد من التفجيرات اليمن يكشف مخططاً للقاعدة لإعلان إمارة إسلامية بحضرموت عناصر «حزب الله» واجهوا «المكامن» وقتلوا برصاص في الظهر تونس: قانون الطوارئ سيطبق بكل صرامة! "جنيف 2" على متن إتصال هاتفي بين لافروف وكيري "التطورات في الجولان" وامتحان الخيارات أمام النظام السوري قطر لم تعد مهتمة بنقل مقر "الدولية للطيران المدني" إليها مساهمو "جيت إروايز" الهندية يوافقون على شراء "طيران الاتحاد" حصة فيها "القلعة" المصرية تتحوّل شركة استثمار «مساعد فيرغسون» يترك النادي قبل وصول مويز وزير اماراتي: 3 بلايين دولار معونة لمصر ستتأخر توقف تصدير النفط الخام في اليمن إثر تفجير أنبوب مأرب 70 مليون يورو تنقل رودريغيز وموتينيو الى موناكو إسرائيل والأردن يداً واحدة فوق سورية وبالهجوم على إيران كيري يلتقي لافروف الاثنين في باريس للبحث في شأن سورية دمشق تطالب الجامعة العربية بالاعتذار قبل اداء دور في حل الازمة الاتحاد البحريني: «المرشح الوحيد» للرئاسة يفوز بالتزكية أردوغان: منفذي تفجيرات الريحانية ساعدوا وفد المعارضة التركية في لقاء الأسد المعارضة السورية تطالب النظام بتوضيحات حول مشاركته في مؤتمر جنيف-2 مقتل "ارهابيين" اثنين في هجوم فرنسي على اغاديز بالنيجر الرئيس اللبناني ينبه حزب الله من "فتنة" القصير السورية انفجار قوي يهز وسط كابول مورينيو يشترط على تشيلسي صفقات تتجاوز 116 مليون يورو استطلاع: ألمانيا البلد الأكثر شعبية.. وإيران في المرتبة الأخيرة صدى القصير السورية يدوّي في ارجاء طرابلس اللبنانية طفرة جينية تمكّن الصراصير من تفادي فخاخ البشر الخارجية الروسية: احتمال للقاء قريب بين لافروف وكيري كيري: المحادثات في فلسطين "بناءة جداً" أطول مقابلة صحافية في العالم: 30 ساعة ودقيقة واحدة و44 ثانية ايران تنفي تورطها في القتال في سورية حل لغز النمور البيضاء هبوط اضطراري لطائرة في مطار هيثرو ولا اصابات "التلغراف": انقسام المعارضة يسمح للنظام السوري بـ"شن هجوم كبير" لسحقها أردوغان يقاضي زعيم المعارضة لتشبيهه بالرئيس الأسد دراسة: الحرقة المزمنة قد تزيد خطر الإصابة بسرطان الحلق اسرائيل تفصل حدودها عن لبنان وسورية بمليوني لغم «ناسا»: مشاريع تجارية على سطح القمر جماعة بلمختار تهدد بمزيد من الهجمات في النيجر دمشق توافق "مبدئياً" على مؤتمر السلام «أبطال أوروبا»: لاعبو بايرن ميونيخ في سطور مورغان فريمان يغط في النوم خلال مقابلة تلفزيونية.. مباشرة تأجيل مباريات المرحلة الأخيرة من الدوري اللبناني لكرة القدم أسعار النفط تسجل انخفاضاً منذ منتصف أبريل «كان» يُسرق مرة أخرى.. عقد ألماس قيمته أكثر من مليوني يورو زلزال بقوة 8.2 يضرب اقصى شرق روسيا مقتل ثلاثة جنود بكمين في كشمير الهندية الامم المتحدة: استمرار تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي العالمي في الـ2013 أوباما: لسنا ضد الاسلام عقوبات اضافية على ايران لدعمها نظام الأسد
[بيروت]
راسلونا إن كان لديكم أي اقتراح أو أي مشكلة.
جاري الإرسال
لقد تم الإرسال
فايسبوك كونكت Facebook Connect تخوّل للمستخدمين امكانية استعمال بيانات الدخول الخاصّة بهم على فايسبوك للدخول الى الموقع دون الحاجة للتسجيل.

كما يمكنكم ان تتصلوا بسهولة بأصدقائكم الموجودين مسبقا على فايسبوك.