الطفولة باتت مصطلحاً بعيداً عن مراحل حياتهم بعد أن وُلدوا في مناطق لبنانية تشهد أزمات أمنية متكرّرة. هم أطفال في التوصيف فقط، لكنّهم يحملون في أذهانهم أفكار الحزبيين والمنتمين الى التنظيمات السياسية منذ سنوات عديدة. يجاهرون بأفكارهم وبحملهم السلاح أمام عيون مسؤولين في التنظيمات والتيارات السياسية من دون أن يكون هناك من يتذكّر أنّ هؤلاء هم حقّاً أطفال لم يتجاوزوا العشر سنوات.
وإذا كانت الأيام الماضية المقلقة على الصعيد الأمني في لبنان قد أثبتت شيئاً، فهو أنّه لم يعد يمكن إنكار حقيقة وجود «أطفال جنود»، خصوصاً بعد ظهورهم في العديد من المناطق اللبنانية مدججين بأسلحة متطوّرة ويرتدون البزّات المرقّطة العائدة الى العديد من التنظيمات المحلية.
وثبّت وزير الشؤون الاجتماعية في لبنان ورئيس المجلس الأعلى للطفولة وائل أبو فاعور هذا الوجود بتصريحه أنّه «في غمرة المشاكل الأمنية الحاصلة في شمال لبنان، بدا لافتاً بشكل صارخ الانتهاك الواضح لحقوق الطفل، بعد ظهور الأطفال العسكر عبر شاشات التلفزة». ولا تقتصر هذه الأزمة على مدينة طرابلس، ففي أحياء بيروت أيضاً أطفالٌ يتدرّبون على حمل السلاح، وخوض حروب الشوارع ولو في الخفاء، إلا أنّ الأزمات الأمنية سرعان ما تدفعهم الى الظهور علناً.
ترفض الأحزاب والتيارات السياسية والتنظيمات «تهمة» قضية تدريب «الأطفال الجنود»، أي من هم دون 18 عاماً، إلاّ أنه لا يمحو واقع تدفّق الأطفال الى الشوارع وهم يحملون الأسلحة في أكثر الأوقات خطورة، فيعرّضون أنفسهم لخطر الموت، فيما يجهلون حقيقة الأزمة في الكثير من الأحيان.
عنف من أجل العنف؟
فراس (10 سنوات) يجمع أطفالاً آخرين حوله ليعظهم حول الحالة السياسية في البلد والمنطقة ويقول : «إذا لم نحمِ أنفسنا... من سيحمـــينا؟». لا يهرب فِراس من الأسئلة الموجّهة إليه، فهو يجيب بكلّ ثقة أنّه وُلد ليكون حامياً للمنطقة التي يعيش فيها و»أقضي على كلّ من يمسّ بها». وعند سؤاله إذا كان يملك سلاحاً خاصاً به ليقاتل، يوضح فراس أنّه غالباً ما يشارك في إشعال الإطارات في الشوارع أو وضع السواتر الترابية لإقفال بعض الطرق، لكنّ حمل السلاح يبقى مرتبطاً بلحظات مصيرية اذ يطلب من جيرانه «الشباب» إمداده بقنابل وأي بندقية متوافرة. أمّا رفاق فراس فكثر كما يؤكد وهم يشاركونه النشاطات المشاغِبة أو تلك المسلّحة، وما يجمعهم هو أنّهم أبناء منطقة واحدة. ولا يخفي تأثره بشقيقه الأكبر سنّاً، فهم «يفدون القضية بدمّهم»، بحسب تعبيره، مهما كانت هذه القضية غامضة وتتغيّر بحسب الظروف.
المنظّمات المدنية والجمعيات الأهلية توجّه اهتمامها الى المناطق التي تشهد خضّات أمنية بشكل مستمر. شهادات الناشطين فيها لا تُبشّر بقدوم أي انفراج على هذا الصعيد. فالناشطة زينب خضر، التي تعمل مع منظّمة محلية، تؤكد أنّ هناك «حالات مستعصية من ناحية الطفولة في مناطق عديدة من لبنان، لأنّ ثقافة الحرب والنزاع متأصلة»، وهذا يجعل الأطفال دائماً متحمّسين للإنخراط في كلّ النشاطات العنيفة رغم إمكان تعرّضهم للأذى.
وتحاول خضر بالتعاون مع العديد من الشباب الآخرين إقامة المخيّمات الصيفية للأطفال بهدف تعريفهم على نمط حياة مختلف، لكن «ما إن تبدأ الأحداث الأمنية حتّى نجدهم يعودون الى حرق الإطارات وحمل الرشّاشات التي لا تناسب الرجال فكيف الحال الأطفال؟». ويرى الناشط أحمد بدوي أنّ المصير الذي ينتظر هؤلاء الأطفال خطير جداً، فـ «جيل الحرب يولد من جديد بروح أكثر عنفاً من دون أن يكون هناك قضايا محقّة تحفّزه، وإنما ينخرط بالعنف من أجل العنف». والحلّ بحسب بدوي يكمن بالقرار السياسيّ أي «برفع الأحزاب والتيارات والتنظيمات أيديهم عن الأطفال الذين يجنّدوهم منذ صغرهم، خصوصاً إذا كان لديهم أشخاص ملتزمون حزبياً في أسرهم».
وإذا كانت الجمعيات الأهلية تحاول قدر الإمكان ردّ أجواء الطفولة الى هؤلاء الأولاد الذين شاء القدر أن يكونوا ضحايا لأجواء من التقاتل والنزاع، فالمدارس هي أيضاً تفتقد طلّابها الذي يختارون السلاح الحقيقيّ بدل سلاح العلم. وتصرّح المعلّمة الصفوف المتوسّطة في مدرسة رسمية سارة فرح بأنّ «النزاعات المسلّحة تؤثر على قدرة التعلّم لدى الطلّاب، خصوصاً أنّ العديد منهم لا يعودون الى الصفوف رغم هدوء الأجواء وعودة الاستقرار الأمني». وتشير فرح الى أنّ الاتصال بالأهل غالباً لا يأتي بنتيجة لأنّ الإدارة تسمع أجوبة على مثال «الآن الوقت ليس مناسباً للعلم»، و»إبني يجب أن يصبح رجلاً في مثل هذه الأوضاع». وتتذكّر فرح العديد من تلامذتها الذين سمعت أنّهم أصبحوا نواطير للأحياء رغم صغر سنّهم، وأنّ بعض المنظّمات تحتضنهم خارج إطار المؤسسات التعليمية الضرورية لهم في هذا العمر.
كلّ هذه الوقائع الميدانية تشير الى أنّ لبنان لم يبذل أي جهد بعد للخروج من اللائحة السوداء الخاصة بالدول التي تتفشّى فيها ظاهرة تجنيد الأطفال، والمشكلة الأكبر أنّ هؤلاء الأطفال سيصبحون شباباً بعد سنوات قليلة والمبادئ التي تربّوا عليها ستبقى هي نفسها.

-
الفرنسي فيليب سوليرز تائهاً بين نساء حياته ... ونساء رواياته
-
تركيا خاسرة في سورية ؟
-
8 مسلسلات مصرية بتواقيع نسائية في رمضان
-
4400 مشارك يلوّنون كرنفال الثقافات في برلين
-
تأجيل إختتام الدوري اللبناني إلى 16 حزيران... وإستبعاد ملعب بحمدون
-
كيف يخترق «الموساد» حاسوبك ويجنّدك جاسوساً
-
«قافلة الفنون» تحتفي بالحمار... في شوارع القاهرة
-
ثورة
-
«سيرك بلوم» ... ثلاثون سنة من الحلم والثورة
-
قصة - «مقهى والي»
-
زياد الدريس
الإعلام... «السُّلطة الثانية» وليس الرابعة
-
عبدالله اسكندر
«حزب الله» والقتال في سورية
-
رندة تقي الدين
مرحلة ما بعد بوتفليقة
-
بدرية البشر
ربما - أميركية تتقاعد في الثمانين... وسعودية تصل إلى قمة إيفرست
-
جهاد الخازن عيون وآذان (إسرائيل: المسيح انتحر)
-
عبدالعزيز السويد
«المالية على حق»... إذاً لم لا تتحرك؟
-
ابراهيم العريس «سانست بوليفار» لبيلي وايلدر: ما الذي يبقى من الأسطورة؟
-
حازم صاغيّة سايكس - بيكو: خير إن شاء الله؟
-
الياس حرفوش «النهضة» و«الإخوان»: الفراق مع السلفية
-
علي بن طلال الجهني
أغنياء يقترضون
-
ثريا الشهري
عابر حياة - عندما كنت صغيراً
-
جميل الذيابي
قوة سعودية جديدة في أميركا!
-
غسان شربل
سقوط التعايش
-
محمد صلاح
الجيش والرئاسة
-
جورج سمعان
تجري الرياح بما لا تشتهي... «جنيف - 2»!